بعد هذا البيان الموجز ، وإن طال ، لا أرانا فى حاجة إلى ذكر توجيهات النحاة والمفسرين وعلماء القراءات واللغويين ، لمجئ " الصابرين "
منصوباً بعد مرفوع فى هذه الآية ، لأن توجيهاتهم ـ هنا ـ مثل توجيهاتهم هناك ، ولسنا فى حاجة كذلك إلى الاستشهاد بالمأثور عن العرب الذين يحتج بكلامهم على قواعد اللغة ، وطرائق استعمالاتها ، لسنا فى حاجة إلى ذلك ، وإن كان مفيداً ، لأن القرآن الكريم حُجة فى نفسه ، غير مفتقر لإقامة الدليل من خارجه على صحة شىء فيه ، فهو النموذج الممتاز الأعلى للغة العربية ، قواعدها ، ونحوها ، وصرفها ، وبيانها ، وبلاغتها. وحسبنا فى هذه الآية المعانى التى أمطنا عنها اللثام فى مجىء " الصابرين " منصوباً بعد مرفوع.
===============
14- نصب الفاعل
هذه شبهة خفيفة الوزن ، تدل على أمرين راسخين فيهم:
الأول: جهلهم الفاضح بقواعد اللغة العربية.
الثانى: تهافتهم الأعمى على تصيُّد الشبهات ، والبحث عن العيوب والنقائص.
منشأ هذه
الشبهة:
هو قوله تعالى: (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إنى جاعلك للناس إماماً ، قال: ومن ذريتى قال لا ينال عهدى الظالمين ) (1).
اطلعوا على هذه الآية فى المصحف الشريف ، ووقع بصرهم على كلمة " الظالمين " وصورت أوهامهم أن فيها خطأً نحوياً ؛ لأنها عندهم فاعل ، والفاعل حكمه الرفع لا النصب ، فكان حقه أن يكون هكذا.
لا ينال عهدى الظالمون ، لأنه جمع مذكر سالم ، وعلامة رفعه " الواو " وبهذا تخيلوا ، بل توهموا أن القرآن لا سمح الله قد أخطأ فنصب الفاعل " الظالمين " ولم يرفعه " الظالمون " ؟! هذا هو منشأ هذه
الشبهة.
الرد على
الشبهة:
الفعل " نال " فعل متعدٍ إلى مفعول واحد ، قال الله تعالى:
(ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً ) (2).
الفاعل " واو الجماعة " والمفعول " خيراً ".
أما فى هذه الآية التى اتخذوها منشأ لهذه
الشبهة " لا ينال عهدى الظالمين " فالفاعل هو " عهدى " ، مرفوع بضمة مقدرة ، منع من ظهورها اشتغال المحل (3) بحركة المناسبة ل " ياء " المتكلم ، والمفعول به هو " الظالمين " وعلامة نصبه هى " الياء " لأنه جمع مذكر سالم ، ينصب ويجر ب " الياء " والمعنى: لا ينفع عهدى الظالمين. ومجئ " الظالمين " منصوباً هو قراءة الجمهور من القراء.
وليس فى مجئ " الظالمين " منصوباً على المفعول به خلاف بين العلماء. بل إنهم نصوا على أن خواص الفعل " نال " أن فاعله يجوز أن يكون مفعولاً ، ومفعوله يجوز أن يكون فاعلاً ، على التبادل بينهما ، قالوا: لأن ما نالك فقد نلته أنت.
وقد جاء قوله تعالى: (لن ينال الله لحومُها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم ) (4).
على خلاف نسق آية البقرة ، التى نحن بصدد الحديث عنها. حيث كان الوالى للفعل فيها هو الفاعل " لا ينال عهدى والواقع بعد الفاعل هو المفعول " الظالمين ".
أما فى آية الحج فإن الذى ولى الفعل " لن ينال الله " هو المفعول ، وما بعده هو الفاعل " لحومُها ".
والمعنى: لن يصل الله لحومُها ولا دماؤها ، وكذلك قوله " ولكن يناله التقوى منكم " فالضمير فى " يناله " هو المفعول به ، أما " التقوى " فهى الفاعل.
=============
15- تذكير خبر الاسم المؤنث
الشبهة:
هو قوله تعالى: (ولا تفسدوا فى الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفاً وطمعاً إن رحمة الله قريب من المحسنين ) (1).
وموضع الشاهد عند المعترضين فى الآية الكريمة هو كلمة " قريب " وهى " خبر " اسم " إن " " رحمة ".
وحين نظروا فى نظم هذه الآية توهموا كذلك أن فيها خطأً نحوياً منشؤه عدم التطابق بين المبتدأ " رحمة " والخبر " قريب " فى التأنيث ، لأن المبتدأ " رحمت " مؤنث. أما الخبر " قريب " فهو فى الآية مذكر قالوا:
وكان يجب أن يتبع خبر " إن " اسمها فى التأنيث فيقال: قريبة.
الرد على
الشبهة:
ذكر علماؤنا فى توجيه هذا " التذكير " الحاصل بحذف علامة التأنيث من الخبر ، عدة وجوه ، لا نريد أن نطيل بذكرها كلها ، لذلك نكتفى بما يرد كيد هؤلاء الطاعنين فى نحورهم.
- بعضهم يجعل " رحمة الله " فى معنى الغفران [ أو الرضوان ] فلذلك جاء الخبر " قريب " مذكراً.
وقد اختار هذا الرأى النضر بن شميل والزجاج (2).
* ومنهم من جعل " قريب " صفة لخبر محذوف مذكر تقديره: شىء أو أمر قريب ، ودليل هذا الحذف هو تذكير " قريب ".
* ومنهم من جعله من باب النسب ، أى ذات قرب ، كقولهم فى حائض: ذات حيض.
* ومنهم من جعل " قريب " مصدراً مستعملاً استعمال الأسماء مثل النقيق ، وهو صوت الضفادع. والضغيب وهو صوت الأرنب. والمصدر يُلتزم فيه
الإفراد وإن جرى على جمع ، والتذكير وإن جرى على مؤنث كما فى هذه الآية الكريمة.
* ويرى آخرون أن تأنيث " رحمة " لما كان تأنيثاً مجازياً لا حقيقياً جاز فى الاستعمال اللغوى تأنيث خبره وصفته ، وجاز تذكيرهما على حدٍ سواء. سواء كان فى ضرورة الشعر ، أو فى النثر.