الصحيح أن الوفاة هنا هي النوم، أي أن الله رفعه إليه وهو نائم، فإن النوم يصدق عليه أنه وفاة أي شبيه بها، كما قال الله تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا أي يتوفى الأحياء في المنام بحيث تفارقهم أرواحهم فراقا خاصا يفقدون فيه الإحساس والصوت والحركة الاختيارية، ثم تعود إليهم أرواحهم عند اليقظة. وقد ورد في الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقول عند النوم: باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه؛ فإن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين . وكان رسول الله [ 23 ] -صلى الله عليه وسلم- يقول عند القيام من النوم: الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور . الحمد لله الذي رد عليّ روحي وعافاني في جسدي . فعلى هذا يكون المعنى: إني متوفيك وفاة نوم بحيث لا تشعر بالرفع إلى السماء، أي أنه رقد نوما عميقا ثم في حال نومه رفعه الله كما شاء، فلم يستيقظ إلا بعد ما رفع إلى السماء. وذهب آخرون إلى أنه توفي وفاة موت مدة يسيرة رفع فيها إلى السماء، ثم بعث وعاش وقال مطر الوراق: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ من الدنيا وليس بوفاة [ 24 ] موت، وكذا قال ابن جرير إن وفاته: رفعه من الدنيا بحيث لا يكون من أهلها، ولا يحتاج إلى ما يحتاج إليه أهلها من الأكل والشرب والنوم واليقظة ونحو ذلك. وقد وردت الأحاديث الكثيرة في أنه ينزل في آخر الزمان ويحكم بهده الشريعة، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية فلا يقبل إلا الإسلام، واستدل على ذلك بقوله تعالى: وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ أي قبل موت عيسى والله أعلم
============
عيسى ابن مريم قرائن علمية وعددية
(قرائن علمية وعددية قرآنية تفسر ولادته العذرية ورفعه حياً وعودته رحمة للبشرية)
بقلم الدكتور محمد جميل الحبال
قال الله تعالى :(ولنجعله آية للناس ورحمة) [ مريم:21]
المقدمة:
لقد أيًّد الله سبحانه وتعالى الانبياء والمرسلين بالآيات المعجزات والبينات الباهرات. ويتميز سيدنا عيسى ابن مريم عليه السلام عن بقية اخوانه من الانبياء والمرسلين بكثرتها برغم عمره القصير نسبيا بالمقارنة اليهم، والذي لم يتجاوز الثلاثة والثلاثين عاما. قال تعالى:
( وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ ) [البقرة:من الآيتين 87-253 ]
وقد بين القرآن الكريم هذه المعجزات التي جرت على يديه وبإذن منه سبحانه وتعالى وذلك في كل من الآيات (45-46) و(49) من سورة آل عمران، والآيات من (110) الى (115) من سورة المائدة والآيات من (24) إلى (33) من سورة مريم وهذه البينات هي:
1- الكلام بعد ولادته مباشرة وفي المهد .
2- خلق الطير من الطين .
3- ابراء الأكمه والابرص (شفاء المرضى) .
4- احياء الموتى .
5- اخبار الناس بما يأكلون وما يدخرون في بيتوهم .
6- انزال المائدة من السماء على الحواريين.
7- الوجاهة في الدنيا وفي الآخرة.
وفضلا عن هذه المعجزات الباهرات والايات البينات فانه عليه السلام يتفرد متميزا ايضا بالآيات المعجزات الثلاث الآتية:
1- ولادته العذرية من مريم الصدّيقة البتول (من أُم دون أب) في قوله تعالى:
(قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [آل عمران:47]
2- رفعه إلى الله حياً ونجاته من القتل والصلب في قوله تعالى: (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً، بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً) [النساء:157- 158 ]
3- نزوله عائداً الى الارض رحمة للناس، وكعلامة من علامات الساعة الكبرى في قوله تعالى: (وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) [الزخرف:61]وكما جاءت بذلك الاحاديث النبوية الشريفة والتي سنذكرها لاحقا.
من اجل ذلك فان سيدنا عيسى ابن مريم لوحده ومع والدته يعتبران آية من آيات الله الباهرات خصهما الله بهذا المعنى في ثلاث آيات مباركات بكونه (او كونهما معاً) كذلك في قوله تعالى:
1- ( وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ) [مريم: 21 ].
2- (وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ) [الانبياء: 90 ].
3- (وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً) [المؤمنون:50 ].