وكانت فائدة الالتفات عن خطابهم المباشر " كنتم فى الفلك " إلى حكاية حالتهم العجيبة إلى غيرهم ، لكى يستثير سخطهم عليهم ، ويقبِّحوا سوء صنيعهم مع الله.
والخلاصة:
ما قاله الإمام الزمخشرى فى هذه الآية لمحة طيبة ، ومعنى لطيف دل عليه هذا الالتفات من المخاطب إلى الغائب ، وقد تناقله عنه المفسرون من بعده.
أما البلاغيون ـ بعد الزمخشرى ـ فقد أضافوا ملمحًا بلاغياً آخر ، يساير ما فهمه الإمام الزمخشرى ولا ينافره ، فقد قالوا:
" إن السر فى الالتفات من الخطاب إلى الغيبة ، أن " الغيبة " تناسب الفعل " جرين " فهم كانوا على الشاطئ والفلك ترسو إلى جنبه ، وأخذ الناس يركبون الفلك ، حتى إذا تكاملوا على ظهره ، وأقلعت آخذة فى السير السريع (الجرى) غابوا عن الأنظار ، فهم ليسوا حاضرين حتى يُخاطَبُوا. ولكنهم غائبون غائبون فجرى الحديث عنهم مجرى الحديث عن الغائب ".
إن كلتا اللمحتين البلاغيتين تنبثقان من هذا التعبير " وجرين بهم " ولا تنافر واحدة منهما الأخرى.
هذا ما لم يكن مثيرو هذه الشبهات أهلاً لفهمه لبلادة حسهم ، وفساد ذوقهم.
والالتفات ـ عامة ـ فن عريق من فنون البيان فى البلاغة العربية ، طرقه الشعراء فى الجاهلية ، وشاع فى كلامهم ، ووردت منه نماذج وصور فى الذكر الحكيم ، وفى أحاديث خاتم النبيين ، وأسراره لا تحصر ، ودلالاته لا تنضب ، وكفاه فضلاً أنه يروِّح عن مشاعر السامعين وينتقل بهم من لون إلى لون ، فى معرض جذاب ، لا يقدره حق قدره إلا من رُزق حسن الفهم ، والقدرة على التذوق لمرامى الكلام.
==========
31- الإتيان بفاعلين لفعل واحد (1)
منشأ هذه الشبهة:
هو قوله تعالى: (لاهية قلوبهم وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون ) (2).
وشاهدهم فى هذه الآية هو الجمع بين: " وأسروا " ، " الذين ظلموا " لأنهم جزموا بأن " الواو " فى " أسروا " فاعل ، كما جزموا بأن " الذين " فى " الذين ظلموا " فاعل كذلك.
ولما كان كل فعل لا يتطلب إلا فاعلاً واحداً ، صاحوا بأعلى صوت قائلين:
إن القرآن أخطأ فجعل للفعل الواحد فاعلين ؟!
الرد على الشبهة:
قال شيخ المفسرين البيانيين الإمام جار الله محمود بن عمر الزمخشرى يقول: " أبدل الذين ظلموا من " واو " " وأسروا " إشعارًا بأنهم الموسومون بالظلم الفاحش فيما أسروا به.
أو جاء على لغة من قال: أكلونى البراغيث.
أو هو منصوب المحل على الذم.
أو هو مبتدأ خبره " وأسروا النجوى " قُدِّم عليه والمعنى:
هؤلاء أسروا النجوى. فوضع المظهر موضع المضمر تسجيلاً على فعلهم بأنه ظلم (3).
ذكر الإمام ـ رحمه الله ـ فى توجيه هذا التركيب أربعة آراء كلها صحيح فصيح:
الأول: إن " الذين ظلموا " بدل كل من كل من معنى " الواو " فى " أسروا " لأنه واو جماعة معناه الجمع.
الثانى: إنه جاء على لغة بعض القبائل العربية ، التى تجمع بين الضمير إذا وقع فاعلاً وبين ما يفسره.
وعليه جاء الحديث الشريف: [ يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل ، وملائكة بالنهار ] (4).
الثالث: أن يكون فى محل نصب على الذم ، على تقدير فعل محذوف هو: أذم أو أخص الذين ظلموا بالذم.
الرابع: أن يكون هو المبتدأ ، وما قبله خبر عنه ، أى الذين ظلموا أسروا النجوى.
أما الذى اقتضى تقديم خبره عليه " أسروا النجوى " فهو التسجيل عليهم بقبح ظلمهم وفحوشته. وهذا كله كلام طيب فى غاية النفاسة.
ويردد الإمام الشوكانى ما قاله الإمام جار الله ـ رحمه الله ـ ويضيف إلى ما قاله جديداً ، ومن هذا الجديد: " إن الذين ظلموا " فاعل لفعل محذوف تقديره: يقول الذين ظلموا.
ثم يورد على لغة " أكلونى البراغيث " آية أخرى من كتاب الله ، هى قوله عز وجل: (ثم عموا وصموا كثير منهم ) (5).
فقد جُمِعَ فى الآية بين الضمير ، وهو " الواو " فى " عموا " و "صموا " وبين الاسم الظاهر " كثير ".
كما ذكر قول الشاعر:
ولكن ديافى أبوه وأمه
بحوران يعصرن السليط أقاربه (6)
والشاهد فى البيت حيث جَمَع الشاعر ، وهو عربى فصيح يحتج بكلامه بين نون النسوة فى " يعصرن " وهو فاعل لـ " يعصر " وبين الاسم الظاهر " أقاربه " وليس فى الكلام إلا فعل واحد يكفى فيه فاعل واحد (7).
وفى المسألة مذاهب أخرى ، منها:
* إن " الذين ظلموا " هى الفاعل ، أما " الواو " فهى علامة جمع الفاعل لا غير ، وأن العرب كانت تفعل ذلك حتى فى المثنى ، فيقولون:
قاما أخواك. كما استشهد من ذهب هذا المذهب بقول الشاعر:
يلوموننى فى اشتراء النخيل
قومى ، فكلهمو يعزل
حيث جمع بين " الواو " فى " يلوموننى " وبين الاسم الظاهر فى " قومى" (8).
هذا ما قاله المفسرون وبعض النحاة فى هذا التركيب وتخريجه على عدة وجوه من الصحة. دون أن يكون عندهم علم بأن بعضاً من الناس ، سيأتون ويقولون مثل ما قال مثيرو هذه الشبهات ، مع جهلهم المركب بلغة التنزيل وخصائصها التعبيرية والبيانية ، وهم فيها عوام أو أشباه عوام.
والخلاصة:
ما تقدم من الرد على هذه