تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد أطاق الناس وقتها هذا الارتفاع الشاهق المفاجىء ، لأن الدفعة الروحية الممثلة في الرسول وأصحابه كانت كقوة السحر التي ترفع الإنسان فوق طاقاته العادية وتجعله يصنع ما يشبه المعجزات . فلما انحسرت هذه الدفعة الهائلة ارتد الناس عن آفاقهم العليا ، وإن كانوا - مع ذلك - قد احتفظوا بقبسة لامعة من روح الإسلام سنتحدث بعد هنيهة عن آثارها العملية في تاريخ البشر . ولكن هذا ليس معناه كما يقول المزيفون أننا في حاجة دائمة إلى وجود الرسول والصحابة بأشخاصهم لنحقق ما حققه الناس في صدر الإسلام في الجانب العملي على الأقل . فالذي كان يعد معجزة قبل ألف وثلثمائة عام في سياسة الحكم ونظام الاقتصاد وعلاقات المجتمع ، أصبح بعد مرور هذه الحقب الطويلة ، وبعد التجارب التي مرت بها البشرية - وفي أولها التجربة الإسلامية ذاتها - في حدود المستطاع اليوم في كثير من ربوع الأرض . فإذا أردنا أن نطبق الإسلام اليوم في واقع الحياة ، بصرف النظر عن مثله الأخلاقية الرفيعة - وإن كان الإسلام يعني بها عناية خاصة ولا يفصل بينها وبين التطبيق العملي - فلن نقفز قفزات معجزة كتلك التي قفزها العرب في صدر الإسلام ، لأن التجارب والسوابق قربتنا من تلك القمة العالية ، فصارت النقلة أقرب ، وصار الجهد المطلوب أيسر من ذي قبل .

ولنضرب بعض الأمثلة لما نقول :

فالأمم التي تعيّن حكامها اليوم بالانتخاب العام ، وتعزلهم حين تراهم انحرفوا عن سواء السبيل ، لا تزيد على أن تطبق الصورة الإسلامية للحكم في صدر الإسلام من جانبها العملي. وقد كان هذا معجزة في عصر أبي بكر وعمر . ولكنه اليوم في متناولنا حين نريد ، أي حين يصير لدينا الوعي الذي تملكه هذه الأمم . فإذا كنا نملك ذلك بتقليد انجلترا أو أمريكا فلماذا نعجز عنه إذا طلبناه باسم الإسلام وهو موجود في الإسلام ؟ وضمان المطالب الأساسية لموظفي الدولة - ومن في حكمهم من العمال في المؤسسات العامة والخاصة - تشريع صريح من تشريعات الإسلام . وقد طبقته الشيوعية في القرن العشرين ( وإن كانت قد طبقته في مقابل دكتاتورية الدولة والإسلام أراده حراً من الدكتاتورية ) فإذا رغبنا في تنفيذه اليوم فهو في متناول يدنا . ولكن لماذا نأخذه من الشيوعية ولا نأخذه من الإسلام ؟

وهكذا وهكذا في كل باب .

فتجارب البشرية قد قربتنا اليوم مسافة هائلة من نظم الإسلام . وإن كانت لم تصل إليها كاملة حتى اليوم . فلماذا تصبح هذه النظم واقعية عملية حين تحاولها أوربا ، وتصبح خيالية مثالية حين يريدها الإسلام ؟ !

إن القضية في جوهرها يجب أن توضع على هذا النحو : هل تلك النظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ممكنة في ذاتها أم غير ممكنة ؟ فما دامت ممكنة في أي مكان وفي أي نظام ، فكيف لا تكون ممكنة في الإسلام وهو أول نظام طبقها بالفعل على ظهر الأرض ؟ !

ولا عبرة بالوهم الذي يثيره الشيوعيون وأضرابهم ، من أن النظم الحديثة قائمة على أسس علمية ! والإسلام قائم على العواطف والنوايا الطيبة ! فالجانب التشريعي في الإسلام ليس عواطف . والخلفاء الراشدون حين كانوا يتشاورون في تطبيقه ويضعون له التفسيرات الفقهية لم يكونوا حالمين ولا معتمدين على حسن نوايا الناس . كل المسألة أن الإسلام لا يحب أن يعتمد على القانون وحده ، فهو يضع التشريع ، ولكنه يهذب النفوس وينظفها حتى تتطوع بما فوق الواجب المفروض ، وتنفذه - حين تنفذه - بدافع من الداخل لا خوفاً من سطوة الحاكم فحسب ، وهذه أبرع سياسة يمكن أن تطبق في عالم الناس . ولكن القانون موجود دائماً وينفذ دائماً بصرف النظر عن نوايا الناس ، على حد قول عثمان : " يزع الله بالسلطان ما لا يزع بالقرآن " .

* * *

وبعض الكتاب يحسبون أنهم يوقعون المسلمين في حرج ما بعده حرج ، حين يقولون لأصحاب الدعوة الإسلامية : لا تحاجونا بعمر ، فعمر لا يتكرر في التاريخ !

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ٩٥٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ٩٥٣