تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإنما يطلب الإسلام من هذا الشباب أن " يضبط " هذه الشهوات فقط دون أن يكبتها . يضبطها في وعيه وبإرادته ، وليس في لاشعوره ، أي يعلق تنفيذها إلى الوقت المناسب . وليس تعليق التنفيذ كبتاً باعتراف فرويد ، وليس فيه من إرهاق الأعصاب ما في الكبت ، وليس يؤدي مثله إلى العقد والاضطرابات النفسية .

وليست هذه الدعوة إلى ضبط الشهوات تحكماً يقصد به الإسلام حرمان الناس من المتاع . فهذا هو التاريخ في الإسلام وفي غير الإسلام يقرر أنه ما من أُمة استطاعت أن تحافظ على كيانها وهي عاجزة عن ضبط شهواتها ، والامتناع بإرادتها عن بعض المتاع المباح . كما يقرر من الجانب الآخر أنه ما من أُمة ثبتت في الصراع الدولي إلا كان أهلها مدربين على احتمال المشقات ، قادرين على إرجاء ملذاتهم - أو تعليقها - حين تقتضي الضرورة ساعات أو أياماً أو سنوات .

ومن هنا كانت حكمة الصوم في الإسلام .

والمتحللون اليوم من التقدميين والتقدميات ، يحسبون أنفسهم قد اكتشفوا حقيقة هائلة حين يقولون : ما هذا السخف الذي يدعو إلي تعذيب الأبدان بالجوع والعطش ، وحرمان النفس مما تتوق إليه من طعام وشراب ومتاع .. في سبيل لا شيء ، وإطاعة لأوامر تحكمية لا حكمة لها ولا غاية ؟

ولكن .. ما الإنسان بلا ضوابط ؟ وكيف يصبح إنساناً وهو لا يطيق الامتناع سويعات عما يريد ؟ وكيف يصبر على جهاد الشر في الأرض ، وهذا الجهاد يتطلب منه حرمان نفسه من كثير ؟

وهل كان الشيوعيون - الذين يسخر دعاتهم في الشرق الإسلامي بالصيام وغيره من " الضوابط " التي تدرب النفوس - هل كانوا يستطيعون الصمود كما صمدوا في ستالنجراد ، لو انهم لم يدربوا على احتمال المشقات العنيفة التي تعذب الأبدان والنفوس ، أم إنهم " يحلّونه عاماً ويحرمونه عاماً " ؟ يحلّونه حين يصدر الأمر به من " الدولة " لأنها سلطة مرئية تملك العقاب السريع ، ويحرمونه - هو ذاته - حين يصدر الأمر به من الله خالق الدول والأحياء !

وماذا في الإسلام من العبادات غير الصيام ؟ الصلاة ؟ كم تستغرق من وقت المسلم التقي ؟ هل تستغرق في الأسبوع كله أكثر مما تستغرق زيارة واحدة للسينما في كل أسبوع ؟ وهل يضحي الإنسان بهذه الفرصة المتاحة للاتصال بالله ، وتلقِّي المعونة منه ، والاطمئنان إليه ، واسترواح الراحة في رحابه ، إلا وفي قلبه مرض وفي نفسه انحراف ؟

أما ما يقال من تنكيد الدين على أتباعه ، ومطاردتهم بشبح الخطيئة في يقظتهم ومنامهم فما أبعد الإسلام عنه ، وهو الذي يمنح المغفرة قبل أن يذكر العذاب !

إن الخطيئة في الإسلام ليست غولاً يطارد الناس ، ولا ظلاماً دائماً لا ينقشع . خطيئة آدم الكبرى ليست سيفاً مصلتاً على كل البشر ، ولا تحتاج إلى فداء ولا تطهير : " فتلقَّى آدم من ربه كلمات فتاب عليه ( ) ". هكذا في بساطة ودون أيَّة إجراءات .

وأبناء آدم كأبيهم ليسوا خارجين من رحمة الله حين يخطئون . فالله يعلم طبيعتهم فلا يكلفهم إلا وسعهم ، ولا يحاسبهم إلا في حدود طاقتهم : " لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ( ) " " كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون ( ) " .

وآيات الرحمة والمغفرة والتوبة عن العباد كثيرة في القرآن . ولكنا نختار منها واحدة فقط لعمق دلالتها على رحمة الله الواسعة التي وسعت كل شيء : " وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أُعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين . والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم - ومن يغفر الذنوب إلا الله ؟ - ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون . أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين " ( ) .

يا الله، ما أشد رحمتك بعبادك ! إن الإنسان لا يملك نفسه من التأثر وهو يرى رحمة الله بالناس . ومتى ؟ وهم يفعلون الفاحشة ! إنه لا يقبل منهم التوبة فحسب . ولا يقيلهم من ذنبهم فحسب ، بل يمنحهم رضاءه ورحمته ، ويرفعهم إلى درجة المتقين ! !

فهل بعد ذلك شك في عفو الله ومغفرته ؟ وأين يطارد العذاب نفوس الناس والله يلقاهم بهذا العطف والترحيب ، بكلمة واحدة صادقة يقولونها : التوبة ؟ !

لسنا نحتاج إلى نصوص أخرى تؤيد ما نقول . ولكنا مع ذلك نذكر هذا الحديث من أحاديث الرسول فهو شاهد عجيب : " والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وجاء بقوم يذنبون ويستغفرون فيغفر لهم ( ) " .

إنها إذن إرادة ذاتية لله أن يغفر للناس ويتجاوز عن سيئاتهم .

وهذه الآية العجيبة : " ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم؟ وكان الله شاكراً عليماً ( )"

نعم ؟ ما يفعل الله بتعذيب الناس ؟ وهو الذي يحب أن يمنحهم الرحمة والغفران ! ؟ !

(محمد قطب)

====================

الإسلام …وَحرية الفكر

قال لي أحدهم وهو يجادلني: أنت لست حر الفكر !

قلت : لماذا ؟

قال : هل تؤمن بوجود إله ؟

قلت : نعم .

قال : وتصلي له وتصوم ؟

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ٩٥٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ٩٥٠