تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهؤلاء وأولئك لا يعرفون حقيقة الإسلام ، أو يعرفونها ثم يلبسون الحق بالباطل ابتغاء الفتنة ونشراً للفساد في المجتمع ، ليسهل الصيد لمن يريد الصيد في الأقذار .

وقبل أن نبين حقيقة وضع المرأة في الإسلام ، يجدر بنا أن نلم إلمامة سريعة بتاريخ قضية المرأة في أوربا ، فهي منبع الفتنة التي فتنت الشرق عن طريق التقليد .

* * *

كانت المرأة في أوربا وفي العالم كله هملاً لا يحسب له حساب . كان " العلماء " والفلاسفة يتجادلون في أمرها. هل لها روح أم ليس لها ورح ؟ وإذا كان لها روح فهل هي روح إنسانية أم حيوانية ! وعلى فرض أنها ذات روح إنسانية فهل وضعها الاجتماعي و" الإنساني " بالنسبة للرجل هو وضع الرقيق ، أم هو شيء أرفع قليلاً من الرقيق !

وحتى في الفترات القليلة التي استمعت فيها المرأة بمركز " اجتماعي " مرموق سواء في اليونان أو في الإمبراطورية الرومانية ، فلم يكن ذلك مزية للمرأة كجنس وإنما كان لنساء معدودات، بصفتهن الشخصية ، أو لنساء العاصمة بوصفهن زينة للمجالس ، وأدوات من أدوات الترف التي يحرص الأغنياء والمترفون على إبرازها زهواً وعجباً ، ولكنها لم تكن قط موضع الاحترام الحقيقي كمخلوق إنساني جدير بذاته أن يكون له كرامة بصرف النظر عن الشهوات التي تحببه لنفس الرجل .

وظل الوضع كذلك في عهود الرق والإقطاع في أوربا ، والمرأة في جهالتها ، تدلل حيناً تدليل الترف والشهوة ، وتهمل حيناً كالحيوانات التي تأكل وتشرب وتحمل وتلد وتعمل ليل نهار .

حتى جاءت الثورة الصناعية فكانت الكارثة التي لم تصب المرأة بشر منها في تاريخها الطويل .

لقد كانت الطبيعة الأوربية في جميع عهودها كزة جاحدة ، لا تسخو ولا ترتفع إلى مستوى التطوع النبيل الذي يكلف جهداً ولا يفيد مالا أو نفعاً قريباً أو غير قريب . ولكن الأوضاع الاقتصادية في عهدي الرق والإقطاع ، والتكتل الذي كانا يستلزمانه في البيئة الزراعية ، جعلا تكليف الرجل إعالة المرأة هو الأمر الطبيعي الذي تقتضيه الظروف ، فضلاً عن أن المرأة كانت " تعمل " في المنزل في الصناعات البسيطة التي تتيحها البيئة الزراعية ، فكانت تدفع ثمن إعالتها بهذا العمل !

ولكن الثورة الصناعية قلبت الأوضاع كلها في الريف والمدينة على السواء . فقد حطمت كيان الأسرة وحلت روابطها بتشغيل النساء والأطفال في المصانع . فضلاً عن استدراج العمال من بيئتهم الريفية القائمة على التكافل والتعاون ، إلى المدينة التي لا يعرف فيها أحدٌ أحداً ، ولا يعول أحد أحداً ، وإنما يستقل كل إنسان بعمله ومتعته ؛ وحيث يسهل الحصول على المتعة الجنسية من طريقها المحرم ، فتهبط الرغبة في الزواج وكفالة الأسرة ، أو تتأخر سنوات طويلة على الأقل ( ) .

وليس همنا هنا استعراض تاريخ أوربا . ولكنا نستعرض العوامل التي أثرت في حياة المرأة فحسب .

قلنا إن الثورة الصناعية شغّلت النساء والأطفال . فحطمت روابط الأسرة وحلت كيانها. ولكن المرأة هي التي دفعت أفدح الثمن من جهدها وكرامتها ، وحاجاتها النفسية والمادية . فقد نكل الرجل عن إعالتها من ناحية ، وفرض عليها أن تعمل لتعول نفسها حتى لو كانت زوجة وأماً! واستغلتها المصانع أسوأ استغلال من ناحية أخرى ، فشغلتها ساعات طويلة من العمل ، وأعطتها أجراً أقل من الرجل الذي يقوم معها بنفس العمل في نفس المصنع .

ولا نسأل لماذا حدث ذلك ، فهكذا هي أوربا ، جاحدة كزة كنود ، لا تعترف بالكرامة للإنسان من حيث هو إنسان ، ولا تتطوع بالخير حيث تستطيع أن تعمل الشر وهي آمنة .

تلك طبيعتها على مدار التاريخ ، في الماضي والحاضر والمستقبل إلا أن يشاء الله لها الهداية والارتفاع .

وإذ كان النساء والأطفال ضعافاً ، فما الذي يمنع من استغلالهما والقسوة عليهما إلى أقصى حد ؟ إن الذي يمنع شيء واحد فقط ، هو الضمير . ومتى كان لأوربا ضمير ! ؟

ومع ذلك فقد وجدت قلوب إنسانية حية لا تطيق الظلم . فهبت تدافع عن المستضعفين من الأطفال . نعم الأطفال . فقط ! فراح المصلحون الاجتماعيون ينددون بتشغيلهم في سن مبكرة ، وتحميلهم من الأعمال مالا تطيقه بنيتهم الغضة التي لم تستكمل نصيبها من النمو ، وضآلة أجورهم بالنسبة للجهد العنيف الذي يبذلونه . ونجحت الحملات ، فرفعت رويداً رويداً سن التشغيل ، ورفعت الأجور وخفضت ساعات العمل .

أما المرأة فلم يكن لها نصير . فنصرة المرأة تحتاج إلى قدر من ارتفاع المشاعر لا تطيقه أوربا ! لذلك ظلت في محنتها تنهك نفسها في العمل - مضطرة لإعالة نفسها - وتتناول أجراً أقل من أجر الرجل ، مع اتحاد الإنتاج والجهد المبذول .

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ٩٣٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ٩٣٨