من البديهيات الإسلامية التي لا تحتاج إلى ذكر ولا إعادة ، أن المرأة في عرف الإسلام كائن إنساني ، له روح إنسانية من نفس " النوع " الذي منه روح الرجل : " يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء ( ) " فهي إذن الوحدة الكاملة في الأصل والمنشأ والمصير ، والمساواة الكاملة في الكيان البشري ، تترتب عليها كل الحقوق المتصلة مباشرة بهذا الكيان ، فحرمة الدم أو العرض والمال ، والكرامة التي لا يجوز أن تلمز مواجهة أو تغتاب ، ولا يجوز أن يتجسس عليها أو تقتحم الدور .. كلها حقوق مشتركة لا تمييز فيها بين جنس وجنس . والأوامر والتشريعات فيها عامة للجميع : " يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيراً منهن ، ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب ( ) " .. " ولا تجسسوا، ولا يغتب بعضكم بعضاً ( ) " .. " يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ( ) " .. " كل المسلم على المسلم حرام ؛ دمه وعرضه وماله ( ) ".
والجزاء في الآخرة واحد للجنسين : " فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض ( ) " .
وتحقيق الكيان البشري في الأرض متاح للجنسين : الأهلية للملك والتصرف فيه بجميع أنواع التصرف من رهن وإجارة ووقف وبيع وشراء واستغلال .. إلخ " للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ( ) " " للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن ( ) " .
ولا بد هنا من وقفة عند أمرين بشأن حق الملكية والتصرف والانتفاع . فقد كانت شرائع أوربا " المتحضرة " تحرم المرأة من كل هذه الحقوق إلى عهد قريب ، وتجعل سبيلها الوحيد إليها عن طريق الرجل زوجاً كان أو أباً أو ولي أمر . أي أن المرأة الأوربية ظلت أكثر من اثني عشر قرناً بعد الإسلام لا تملك من الحقوق ما أعطاها الإسلام . ثم هي حين ملكتها لم تأخذها سهلة ولا احتفظت بأخلاقها وعرضها وكرامتها ، وإنما احتاجت لأن تبذل كل ذلك ، وتتحمل العرق والدماء والدموع ، لتحصل على شيء مما منحه الإسلام – كعادته - تطوعاً وإنشاء ، لا خضوعاً لضرورة اقتصادية ، ولا إذعاناً للصراع الدائر بين البشر ، ولكن تقريراً منه للحق والعدل الأزليين . وتطبيقاً لهما في واقع الأمر لا في عالم المثل والأحلام .
والأمر الثاني أن الشيوعية خاصة ، والغرب عامة ، يعتبرون الكيان البشري هو الكيان الاقتصادي . ويقولون صراحة إن المرأة لم يكن لها كيان ، لأنها لم تكن تملك ، أو لم يكن لها حق التصرف فيما تملك ، وإنها صارت مخلوقاً آدمياً فقط حين استقلت اقتصادياً ، أي حين صار لها ملك خاص مستقل عن الرجل ، تستطيع أن تعيش منه وتتصرف فيه .
وبغض النظر عن إنكارنا لتحديد الكيان البشري بهذه الحدود الضيقة ، والهبوط به حتى يصبح عرضاً اقتصادياً لا غير ، فإننا نوافقهم – من حيث المبدأ- على أن الاستقلال الاقتصادي له أثره في تكوين المشاعر وتنمية الشعور بالذات .
وهنا يحق للإسلام أن يفخر بما أعطى المرأة من كيان اقتصادي مستقل ، فصارت تملك وتتصرف وتنتفع ، بشخصها مباشرة بلا وكالة ، وتعامل المجتمع بلا وسيط .
ولم يكتف الإسلام بتحقيق كيان المرأة في مسألة الملكية ، بل حققه في أخطر المسائل المتعلقة بحياتها وهي مسألة الزواج . فلا يجوز أن تتزوج بغير إذنها ، ولا يتم العقد حتى تعطي الإذن : " لا تزوج الثيب حتى تستأمر ولا تزوج البكر حتى تستأذن وإذنها صماتها ( ) " ويصبح العقد باطلاً إذا أعلنت أنها لم توافق عليه .
وقد كانت المرأة - في غير الإسلام - تحتاج إلى سلوك طرق ملتوية لتهرب من زواج لا تريده ، لأنها لا تملك شرعاً ولا عرفاً أن ترفض . ولكن الإسلام أعطاها هذا الحق الصريح ، تستخدمه متى أرادت ( ) ، بل أعطاها أن تخطب لنفسها ، وهو آخر ما وصلت إليه أوربا في القرن العشرين ، وحسبته انتصاراً هائلاً على التقاليد البالية العتيقة !
ويبلغ من تقدير الإسلام لمقومات الكيان البشري - في عصور كان يغشيها الجهل والظلام - أن اعتبر العلم والتعلم ضرورة بشرية ، ضرورة لازمة لكل فرد لا لطائفة محدودة من الناس ، فقرر للملايين حق التعلم، بل جعله فريضة وركناً من الإيمان بالله على طريقة الإسلام . وهنا كذلك يحق له أن يفخر بأنه أول نظام في التاريخ نظر إلى المرأة على أنها كائن بشري ، لا يستكمل مقومات بشريته حتى يتعلم، شأنها شأن الرجل سواء بسواء ، فجعل العلم فريضة عليها كما هو فريضة على الرجل ، ودعاها أن ترتفع بعقلها ، كما ترتفع بجسدها وروحها عن مستوى الحيوان ، بينما ظلت أوروبا تنكر هذا الحق إلى عهد قريب . ولم تستجب إليه إلا خضوعاً للضرورات .
* * *