وعلم الشريف فكبرت عليه نفسه . وأخذته العزة بالإثم ، وظل يحاول أن ينجو من حكم الشريعة الصارم الذي يسوي بينه وبين كل نفس آدمية في الوجود . فلما يئس فر من وجه عمر . وارتد في النهاية عن الإسلام ! !
هذا هو الإسلام . لا طبقات ولا مزايا تشريعية للطبقات .
أما الثروة واختلاف الناس فيها فموضوع آخر لا يجوز أن يختلط في أذهاننا بمسألة الطبقات ، ما دامت لا ترتب لمالكيها حقوقاً تشريعية أو قضائية ليست لبقية طوائف الشعب . وما دامت الشريعة ـ في واقع الأمر لا في المثل والخيالات ـ تطبق بطريقة واحدة على جميع الناس .
وقد رأينا أن الملكية الزراعية لم ترتب للملاك في الإسلام حقوقاً يستعبدون بها الآخرين أو يستغلونهم ، وكذلك الحال في الملكية الرأسمالية لو وجدت في مجتمع إسلامي صحيح ، ذلك أن الحاكم لا يستمد نفوذه من تأييد طبقة الملاك ، وإنما من انتخاب الأمة له وقيامه بتنفيذ شريعة الله .
يضاف إلى ذلك كله ما ذكرناه من قبل من أنه لا يوجد مجتمع في الأرض كلها قد تساوت الثروة فيه بين جميع السكان ، حتى المجتمع الشيوعي الذي يقول ـ صادقاً أو كاذباً ـ إنه ألغى نظام الطبقات ، وأبقى طبقة واحدة هي التي تملك وتحكم ، وتفني غيرها من الطبقات! ( محمد قطب )
===================
الإسلام … والصدقات
أَوَهذه هي العدالة الاجتماعية التي تمنوننا بها يا دعاة الإسلام ؟ أن يعيش الشعب عالة على الصدقات التي يدفعها المحسنون من الأغنياء ؟ وتسمون هذه عدالة ؟ وترضون لكرامة الناس هذا الهوان ؟
كذلك يقول لك الشيوعيون والذين استعبد الاستعمار أرواحهم وأفكارهم فلم يعودوا يفقهون ما يقولون . وأبرز خطئهم وأخطره هو ظنهم أن الزكاة صدقة يتفضل بها الأغنياء على الفقراء . ولا يمكن أن يتصور المسألة على هذا الوضع إنسان له عقل سليم يرى الأمور في واقعها ، لا كما يريد له السادة الذين يحركونه كما تحرك لعبة " الأراجوز " ! فأبسط قدر من المنطق كفيل بأن يقنعهم أن الإحسان تطوع لا يفرضه حاكم ولا تشريع. والزكاة فريضة يقررها الشرع وتقاتل عليها الدولة الممتنعين عن أدائها ، وتقتلهم إذا أصروا على امتناعهم ، لأنهم حينئذ يعتبرون مرتدين . فهل يمكن أن يحدث شيء من ذلك في الإحسان المتروك لدافع الضمير ؟ !
إن الزكاة ـ من جانبها المالي ـ هي أول ضريبة نظامية في تاريخ الاقتصاد في العالم. فقد كانت الضرائب قبل ذلك تفرض حسب هوى الحكام وبقدر حاجتهم إلى الأموال لتنفيذ مآربهم الشخصية ، وكان حملها يقع دائماً على الفقراء أكثر مما يقع على الأغنياء ، أو عليهم وحدهم دون الأغنياء .
وجاء الإسلام فنظم جباية الأموال ، فجعل لها نسبة معينة لا تتجاوزها ـ في الأحوال العادية ـ وجعل حملها على الأغنياء والمتوسطين وأعفى منها الفقراء .
هذه هي الحقيقة الأولى التي ينبغي أن تقر في أذهاننا بشأن الزكاة . وهي بديهية لا تحتاج في الواقع إلى جدل ولا برهان .
والحقيقة الثانية أن الذي يوزع حصيلة الزكاة على الفقراء هو الدولة ذاتها لا الأغنياء بأشخاصهم . الدولة هي التي تجمعها وهي التي توزعها . وليس بيت المال إلا وزارة المالية التي تجمع الميزانية العامة ثم تعيد توزيعها على مختلف مرافق الدولة . فإذا كانت الدولة تقوم بكفالة المحتاجين ـ بسبب عجزهم الكامل عن الكسب ، أوعدم كفاية مواردهم للحياة الكريمة ـ فليس هذا تفضلاً وإحساناً ، وليس فيه ما يغض من كرامة المحتاجين . وهل يحس الموظفون الذين تمنحهم الدولة معاشاً أو العمال الذين تصرف لهم تأميناً أنهم متسولون يعيشون على حساب الأغنياء ؟ والأطفال والشيوخ العاجزون عن الكسب .. هل يخدش كرامتهم أن تنفق الدولة عليهم من مالها ما دامت تقوم بذلك أداءً لواجبها ؟ إن مبدأ كفالة الدولة هوأحدث المبادئ التي اهتدت إليها البشرية بعد تجارب كثيرة ، وبعد تخبط طويل في الظلم الاجتماعي . فمن مفاخر الإسلام أنه قرره في وقت كانت أوربا تعيش في الظلمات . أم إن النظام يصبح جميلاً وبراقاً حين يأتينا من الغرب أو الشرق ، ولكنه تأخر وانحطاط حين ينادي به الإسلام ؟
والحقيقة الثالثة أنه إذا كانت حياة الناس في صدر الإسلام قد اقتضت أو تقبلت أن يأخذ الفقراء الزكاة نقداً أوعيناً في أيديهم ، فليس في الإسلام ما ينص على أن هذه هي الطريقة الوحيدة لتوزيع الزكاة . وليس هناك ما يمنع من إعطائها لمستحقيها في صورة مدارس مجانية يعلمون فيها أبناءهم ، ومستشفيات مجانية يتداوون فيها ، وجمعيات تعاونية تسهل لهم وسائل العيش ، ومصانع أو مؤسسات يرتزقون منها رزقاً دائماً . إلى آخر ما يوحيه العصر الحديث من وسائل الخدمة الاجتماعية . فلا تعطى الزكاة نقداً إلا للعاجزين بسبب المرض أو الشيخوخة أو الطفولة .
ويأخذها غيرهم في صورة عمل وخدمات تحقق قوله تعالى : " وفي سبيل الله " .