وامتداد تقديره إلى جيل أسبق من الجنسين حين خلقه في القرآن كثير, قال القرطبي: "الإنسان اسم للجنس" (16). وقال أيضاً مساوياً في الدلالة بين تعبيرين: "قال تعالى: "يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصّلْبِ وَالتّرَآئِبِ" وقال: "وَاللّهُ جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً" [النحل: 72] (17)، وتعبير "مّنْ أَزْوَاجِكُم" يدل على عناصر وراثية تنشأ منها الذرية وتمتد لتشمل الأحفاد يصدق على كلٍّ من الجنسين؛ الذكر والأنثى, وقال الثعالبي: "قوله تعالى: "فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمّ خُلِقَ. خُلِقَ مِن مّآءٍ دَافِقٍ. يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصّلْبِ وَالتّرَآئِبِ" توقيف لمنكري البعث على أصل الخلقة.. قال الحسن وغيره معناه من بين صلب كل واحد من الرجل والمرأة وترائبه" (18). وقال الألوسي: "روي عن قتادة أيضا أن المعنى يخرج من بين صلب كل واحد من الرجل والمرأة وترائب كل منهما (19)،, فالقرآن إذن يحدد موضع اجتماع أصول تكوين عضو إنتاج الذرية من الجنسين بالظهور أو الأصلاب ويكشف موضع انفصاله وتميزه على طريق هجرته.
وقد يعبر القرآن عن المني ضمناً كما في قوله تعالى: "قُتِلَ الإِنسَانُ مَآ أَكْفَرَهُ. مِنْ أَيّ شَيءٍ خَلَقَهُ" [عبس:17و18], وقوله: "إِنّا خَلَقْنَاهُم مّمّا يَعْلَمُونَ" [المعارج: 39], وقوله: "فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمّ خُلِقَ" أو يصرح به بلفظ (مني) كما في قوله: "أَفَرَأَيْتُمْ مّا تُمْنُونَ. أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ الْخَالِقُونَ" [الواقعة: 58و59], أو يصف تكوينه الفاعل حتى يصبح مشيجاً تشبيهاً بالقطيرة الضئيلة من الماء بلفظ (نطفة) كما في قوله تعالى: "أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى. أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مّن مّنِيّ يُمْنَىَ. ثُمّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّىَ" [القيامة: 36-38], وقوله: "أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنّا خَلَقْنَاهُ مِن نّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مّبِينٌ" [يس: 77], وقوله: "خَلَقَ الإِنْسَانَ مِن نّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مّبِينٌ" [النحل:4], وقوله: "إِنّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نّطْفَةٍ أَمْشَاجًٍ" [الإنسان:2], أو يصفه تشبيها بلفظ (ماء), كما في قوله: "أَلَمْ نَخْلُقكّم مّن مّآءٍ مّهِينٍ. فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مّكِينٍ" [المرسلات:20و21], ومثله قوله تعالى: "وَاللّهُ خَلَقَ كُلّ دَآبّةٍ مّن مّآءٍ" [النور: 45], وكما ترى يعبر القرآن بلا استثناء عن ابتداء خلق الفرد من السائل المنوي لحين تكون النطفة الأمشاج بفعل (الخلق) وما بعده بفعل (الجعل), وبالمثل يصف ابتداء الحياة من الطين بفعل (الخلق) ويعبر عما بعده كذلك بفعل (الجعل), كما في قوله تعالى: "الّذِيَ أَحْسَنَ كُلّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِن طِينٍ. ثُمّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مّن مّآءٍ مّهِينٍ" [السجدة:7و8], وقوله تعالى: "وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مّن طِينٍ. ثُمّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مّكِينٍ" [المؤمنون:12و13], وهكذا لم يرد في القرآن فعل (الإخراج) متعلقاً بالسائل المنوي, وإنما ورد التعبير عن مرحلة المني في تاريخ نشأة الإنسان إما بفعل (الخلق) أو فعل (الجعل), بينما فاض التعبير بفعل (الإخراج) متعلقاً بالإنسان للدلالة على معانٍ منها الإنبات تمثيلاً بالنبات والانتقال والإحياء والبعث والولادة.