يكشف القرآن أن بدء خلق الإنسان مما يماثل نطفة من ماء, ويستدل بتلك النقلة الهائلة على الاقتدار, قال تعالى: "خَلَقَ الإِنْسَانَ مِن نّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مّبِينٌ" [النحل:4], وقال تعالى: "أَوَلَمْ يَرَ الإِنسَانُ أَنّا خَلَقْنَاهُ مِن نّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مّبِينٌٌ" [يس 77, وقال تعالى: "قُتِلَ الإِنسَانُ مَآ أَكْفَرَهُ. مِنْ أَيّ شَيءٍ خَلَقَهُ. مِن نّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدّرَهُ. ثُمّ السّبِيلَ يَسّرَهُ" [عبس 17-20], وقال تعالى: "أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى. أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مّن مّنِيّ يُمْنَىَ. ثُمّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّىَ. فَجَعَلَ مِنْهُ الزّوْجَيْنِ الذّكَرَ وَالاُنثَىَ. أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَىَ أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَىَ" [القيامة:36-40], ولو تأملت الحقائق التي كشفها العلم فستدهش من ذلك اليقين الصارم على خلق الإنسان من مكون للمني يماثل أقل وحدة تركيب من الماء؛ نطفة, لأنه يستحيل أن يدرك هذا بشر قبل اكتشاف المجهر بعشرة قرون واكتشاف تلقيح البويضة بحوين منوى واحد منتخب من نخبة من ملايين الحوينات, والتعبير الوصفي "نطفة" يكاد ينطق بالمصطلح الحديث "خلية" وهي أقل وحدة تركيب, وبالمثل يقول العلي القدير: "فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمّ خُلِقَ. خُلِقَ مِن مّآءٍ دَافِقٍ. يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصّلْبِ وَالتّرَآئِبِ. إِنّهُ عَلَىَ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ " , وتلك النقلة الأبعد الممتدة في مرأى العين إلى العدم حيث لم يبلغ الإنسان حتى أن يكون مجرد ماءً هي دليل القرآن على بالغ الاقتدار, يقول العلي القدير: "وَيَقُولُ الإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً. أَوَلاَ يَذْكُرُ إلإِنْسَانُ أَنّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً" [مريم:66و67], وهو مثل قوله تعالى: "هَلْ أَتَىَ عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مّنَ الدّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مّذْكُوراً. إِنّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ" [الإنسان: 1و2], فقبل أن يصبح إنساناً كان كنطفة من ماء منها كان بَدء خلقه, وقبلها في جيل أسبق لم يكن شيئاً بينما الماء في مرأى العين شيء, ولا يليق مع تلك النقلة الهائلة مما يماثل نطفة ماء إلى إنسان والتي استوعبت قصة خلق إنسان من الجنسين إلا أن يكون ما يسبقها نقلة مماثلة تنقله إلى ما قبل خلقه لتستوعب قصة خلق جيل يسبقه من الجنسين, وحينذاك لم يكن له في مرأى العين وجود يذكر إلا تقديره كذرية لاحقة, وبهذا الامتداد يحكي فعل (يخرج) قصة خلق جيل وجيل يسبقه من جيل أسبق فتتجلى غاية الاقتدار, والعدول إلى المضارع يجعل المشهد نموذجاًً للبدء والإعادة يشمل كل الأجيال من الجنسين, ولكن مع التوهم بعود ضمير (يخرج) إلى الماء يضعف أداء الغرض, أنت إذاً أمام وصفٍ لتاريخ ضارب في القدم مر فيه الإنسان بمرحلتين أشبه ما يكونا بالولادة, انتهت الأولى به وكذلك الثانية, قال المناوي: "إن للإنسان ولادتين أحدهما الخروج من الصلب والترائب إلى مستودع الأرحام وهو في الرحم في قرار مكين إلى قدر معلوم, وله في سلوكه إلى الكمال منازل وأطوارا من نطفة وعلقة ومضغة وغيرها حتى يخرج من مضيق الرحم إلى فضاء العالم"(1)، وقال ابن الجوزي: "قوله تعالى "وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمّ صَوّرْنَاكُمْ" [الأعراف: 11] فيه.. أقوال أحدها.. خلقناكم.. (من بين) أصلاب.. وترائب.., ثم صورناكم عند اجتماع النطف في الأرحام, قاله ابن السائب.., قال ابن قتيبة.. معناه خلقنا أصلكم.. كهيئة الذر" (2). والعجيب في القرآن أنه لا يتركك نهباً للتصورات أمام الحقيقة الخفية التي يدخرها للعالِمين ويعلنها بتلطف لا يلفت عن الغرض, فترى "مثانية النبأ" التي قد تبلغ حد الإسهاب تحجبك عن الزلل خاصةً إذا كنت من الحقيقة في يقين, وتعبير "ماء دافق" يعني أنه دافق حقيقةً لا مجازاً يعني ذو حركة ذاتية زيادةً على أنه مدفوق كما هو معلوم, ولذا ينطوي التعبير على وصف المني بالحياة, وتتضافر الأوصاف في القرآن على قصر الماء بالذكر وحده تشبيهاً للسائل المنوي المعلوم لدى المخاطبين بالماء, لقوله تعالى: "إِنّا خَلَقْنَاهُم مّمّا يَعْلَمُونَ" [المعارج:39], وقوله: "أَلَمْ نَخْلُقكّم مّن مّآءٍ مّهِينٍ" [المرسلات:20], وقوله: "وَاللّهُ خَلَقَ كُلّ دَآبّةٍ مّن مّآءٍ" [النور:45], وقوله: "أَفَرَأَيْتُمْ مّا تُمْنُونَ. أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ الْخَالِقُونَ" الواقعة 58و59, وقوله: "أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى. أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مّن مّنِيّ يُمْنَىَ" [القيامة:36و37], وإذا صدق وصف البشرية على "النطفة الأمشاج" التي تمثل بَدء خلق الإنسان فلا يصدق على "الماء الدافق" الذي يمثل مرحلة أسبق, ولذا يدل حصر ابتداء فعل الخلق بالنطفة على المرحلة قبيل خلق الإنسان وأما الوصف أمشاج فيلزم بضرورة وجود النطفة النظير, وقوله
المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ٧٤٠
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ٧٤٠
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي