ويرد فعل (الإخراج) في القرآن في سياق الهجرة للدلالة على الانتقال متعلقاً بالإنسان كما في قوله تعالى: "فَالّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لاُكَفّرَنّ عَنْهُمْ سَيّئَاتِهِمْ" [آل عمران :195], وقوله تعالى: "وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلىَ اللّهِ" [النساء:100], ويرد للدلالة على الإحياء والبعث متعلقاً بالإنسان كما في قوله تعالى: "وَقَالَ الّذِينَ كَفَرُوَاْ أَإِذَا كُنّا تُرَاباً وَآبَآؤُنَآ أَإِنّا لَمُخْرَجُونَ" [النمل:67], وقوله تعالى: "يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْدَاثِ كَأَنّهُمْ جَرَادٌ مّنتَشِرٌ" [القمر:7], وقوله تعالى: "قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ" [الأعراف:25], وقوله تعالى: "وَقَالَ الّذِينَ كَفَرُوَاْ أَإِذَا كُنّا تُرَاباً وَآبَآؤُنَآ أَإِنّا لَمُخْرَجُونَ" [النمل :67], وقوله تعالى: "وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَىَ بِإِذْنِيِ" [المائدة:110], وقوله تعالى: "وَيَقُولُ الإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً" [مريم:66], وقوله تعالى: "مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىَ" [طه:55], ويرد للدلالة على الولادة متعلقاً بالإنسان كما في قوله تعالى: "وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مّن بُطُونِ أُمّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً" [النحل:78], وقوله تعالى: "وَنُقِرّ فِي الأرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىَ أَجَلٍ مّسَمّى ثُمّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً" [الحج:5], وقوله تعالى: "هُوَ الّذِي خَلَقَكُمْ مّن تُرَابٍ ثُمّ مِن نّطْفَةٍ ثُمّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً" [غافر:67], وكما ترى يرد فعل (الإخراج) متعلقاً بالإنسان في مواضع كثيرة بينما لم يرد ولا مرة واحدة متعلقاً بالمني, وهكذا تتآزر الشواهد العديدة مؤكدةً على تعلق فعل (الإخراج) في القرآن بالإنسان لا المني.
(خامساً) استفادة القدامى والمعاصرون من معارف عصورهم في التفسير:
في اجتهادات متفاوتة الخطوات لمطابقة الدلالات العلمية العميقة الغور؛ قال الشوكاني: "قيل إن ماء الرجل ينزل من الدماغ, ولا يخالف هذا ما في الآية لأنه إذا نزل من الدماغ نزل من بين الصلب والترائب, وقيل إن المعنى يخرج من جميع أجزاء البدن, ولا يخالف هذا ما في الآية لأن نسبة خروجه إلى بين الصلب والترائب باعتبار أن أكثر أجزاء البدن هي الصلب والترائب"(22)، وقال السيوطي: "عن الأعمش قال يخلق العظام والعصب من ماء الرجل ويخلق اللحم والدم من ماء المرأة" (23)، وقال ابن كثير: "عن معمر بن أبي حبيبة المدني أنه بلغه في قول الله عز وجل "يخرج من بين الصلب والترائب" قال هو عصارة القلب من هناك يكون الولد" (24). وقال القاسمي: "ومعنى الآية أن المني باعتبار أصله وهو الدم يخرج من شيء ممتد بين الصلب أي فقرات الظهر في الرجل والترائب أي عظام صدره, وذلك الشيء الممتد بينهما هو الأبهر (الأورطى) وهو أكبر شريان في الجسم يخرج من القلب خلف الترائب ويمتد إلى آخر الصلب تقريبا, ومنه تخرج عدة شرايين عظيمة, ومنها شريانان طويلان يخرجان منه بعد شرياني الكليتين, وينزلان إلى أسفل البطن حتى يصلا إلى الخصيتين فيغذيانهما, ومن دمهما يتكون المني في الخصيتين ويسميان شرياني الخصيتين أو الشريانين المنويين, فلذا قال تعالى عن المني "يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصّلْبِ وَالتّرَآئِبِ" لأنه يخرج من مكان بينهما وهو الأورطي أو الأبهر, وهذه الآية على هذا التفسير تعتبر من معجزات القرآن العلمية" (25)، وقال ابن عاشور: "الخروج مستعمل في ابتداء التنقل من مكان إلى مكان.., والصلب العمود العظمي الكائن في وسط الظهر وهو ذو الفقرات.., والترائب جمع تريبة.. تضاف إلى الرجل وإلى المرأة ولكن أكثر وقوعها في كلامهم في أوصاف النساء.., وقوله