تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقال ابن القيم أيضاً: "ذكر الأمر المستدل عليه و(هو) المعاد بقوله: "إِنّهُ عَلَىَ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ" أي على رجعه (يعني الإنسان) إليه يوم القيامة كما هو قادر على خلقه.. هذا هو الصحيح في معنى الآية, وفيها قولان ضعيفان أحدهما قول مجاهد على رد الماء في الإحليل لقادر, والثاني قول عكرمة والضحاك على رد الماء في الصلب, وفيه قول ثالث قال مقاتل إن شئت رددته (يعني الإنسان) من الكبر إلى الشباب ومن الشباب إلى الصبا إلى النطفة, والقول الصواب هو الأول لوجوه: (أحدهما) أنه هو المعهود من طريقة القرآن من الاستدلال بالمبدأ على المعاد, (الثاني) أن ذلك أدل على المطلوب من القدرة على رد الماء في الإحليل, (الثالث) أنه لم يأت لهذا المعنى في القرآن نظير في موضع واحد ولا أنكره أحد حتى يقيم سبحانه الدليل عليه, (الرابع) أنه قيد الفعل بالظرف وهو قوله "يَوْمَ تُبْلَىَ السّرَآئِرُ" وهو يوم القيامة أي أن الله قادر على رجعه إليه حيا في ذلك اليوم, (الخامس) أن الضمير في "رَجْعِهِ" هو الضمير في قوله: "فَمَا لَهُ مِن قُوّةٍ وَلاَ نَاصِر" وهذا للإنسان قطعا لا للماء, (السادس) أنه لا ذكر للاحليل حتى يتعين كون المرجع إليه, فلو قال قائل على رجعه إلى الفرج الذي صب فيه لم يكن فرق بينه وبين هذا القول ولم يكن أولى منه, (السابع) أن رد الماء إلى الأحليل أو الصلب بعد خروجه منه غير معروف ولا هو أمر معتاد جرت به القدرة وإن كان مقدورا للرب تعالى, ولكن هو لم يجره ولم تجر به العادة ولا هو مما تكلم الناس فيه نفيا أو إثباتا, ومثل هذا لا يقرره الرب ولا يستدل عليه وينبه على منكريه, وهو سبحانه إنما يستدل على أمر واقع ولا بد إما قد وقع ووجد أو سيقع,.. (الثامن) أنه سبحانه دعا الإنسان إلى النظر فيما خُلق منه ليرده عن تكذيبه بما أخبر به وهو لم يخبره بقدرة خالقه على رد الماء في إحليله بعد مفارقته له حتى يدعوه إلى النظر فيما خلق منه ليستقبح منه صحة إمكان رد الماء, (التاسع) أنه لا ارتباط بين النظر في مبدأ خلقه ورد الماء في الإحليل بعد خروجه ولا تلازم بينهما حتى يجعل أحدهما دليلا على إمكان الآخر بخلاف الارتباط الذي بين المبدأ والمعاد والخلق الأول والخلق الثاني والنشأة الأولى والنشأة الثانية فإنه ارتباط من وجوه عديدة ويلزم من إمكان أحدهما إمكان الآخر ومن وقوعه صحة وقوع الآخر فحسن الاستدلال بأحدهما على الآخر, (العاشر) أنه سبحانه.. نبه بقوله: "إِنّهُ عَلَىَ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ" على بعثه لجزائه على العمل الذي حفظ وأحصى عليه فذكر شأن مبدأ عمله ونهايته فمبدؤه محفوظ عليه ونهايته الجزاء عليه ونبه على هذا بقوله: "يَوْمَ تُبْلَىَ السّرَآئِرُ" أي تختبر.. والسرائر جمع سريرة" (42).

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ٧٣٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ٧٣٩