ونلاحظ أنه في نفس الوقت يحاول أن يظهر بمظهر الحيدة العلمية ، الخالية من الغرض ، فلا يحرم الزهري من وصف " التقوى " المعروف به ، بل يُضفي على عبارته ما يجعلها أولى بالتصديق ، فيجعل الزهري ذلك التقي الصالح ، يستشعر الندم أحيانًا ، ويعترف بخطئه ، ويبرر لنفسه ذلك بأنه واقع تحت الإكراه من السلطة ، وهكذا بهذا الملمس الناعم يسوق تزيينه وتحريفه ، وينفثه في خفةٍ ومهارةٍ .
وهو في كل ذلك يرتكز على ذلك النص المنقول عن "معمر " ليوهم القارئ بأنه يوثق ما يقول ، ويملك دليلاً على ما يدّعي .
وهذا النص الذي نقله فيه تحريف متعمد يقلب المعنى رأسًا على عقب ، وأصله كما عند " ابن عساكر " ، و " ابن سعد " ، أن " الزهري " كان يمتنع عن كتابة الأحاديث للناس ـ كان يفعل ذلك ليعتمدوا على ذاكراتهم ، ولا يتكلوا على الكتابة ـ فلما طلب منه هشام ، وأصر عليه أن يُملي على ولده ليمتحن حفظه ، وأملى عليه أربعمائة حديث ، خرج من عند هشام ، وقال بأعلى صوته : يا أيها الناس ، إنا كنا منعناكم أمرًا ، قد بذلناه الآن لهؤلاء ، وإن هؤلاء الأمراء أكرهونا على كتابة " الأحاديث " فتعالوْا حتى أحدثكم بها ، فحدثهم بالأربعمائة حديث .
هذا هو النص التاريخي لقول " الزهري " ، وقد رواه " الخطيب البغدادي " بلفظٍ آخر ، وهو : " كنا نكره كتابَ العلم ـ أي كتابته ـ حتى أكرهنا عليه هؤلاء الأمراء ، فرأينا أن لا نمنعه أحدًا من المسلمين ".أهـ .
ونترك التعليق لقلم الدكتور " مصطفى السباعي " ـ رحمه الله ـ إذ يقول : " فانظر كم الفرق بين أن يكون قول " الزهري " ، كما روى " جولد تسيهر" : "أكرهونا على كتابة أحاديث" ، وبين أن يكون قوله كما رواه المؤرخون "أكرهونا على كتابة الأحاديث" ، أو كما رواه "الخطيب " "على كتابة العلم " ، ثم انظر إلى هذه الأمانة العلمية حذف " ال " من (الأحاديث) ، فقلبت الفضيلة رذيلة .. حيث كان النص الأصلي يدل على أمانة " الزهري " وإخلاصه في نشر العلم ، فلم يرض أن يبذل للأمراء ما منعه عن عامة الناس ، إلا أن يبذله للناس جميعًا ، فإذا (أمانة) هذا المستشرق تجعله ينسب لـ " الزهري " أنه وضع للأمراء أحاديث أكرهوه عليها ، فأين هذا من ذاك ؟؟ .
" وِل ديورانت " :
وإذا شئنا نماذج أخرى لتحريفاتهم ، فإليك ما أورده "ول ديورانت " في كتابه (قصة الحضارة) :
- يقول عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ : " وقد أعانه نشاطه وصحته على أداء واجبات الحب والحرب ، ولكنه أخذ يضعف حين بلغ التاسعة والخمسين من عمره ، وظن أن يهود خيبر قد دسوا له السم في اللحم قبل عام من ذلك الوقت ، فأصبح بعد ذلك الحين عرضة لحميات ، ونوبات غريبة … إلخ " .
ولا يعنينا أن نناقش القبح والفحش الذي كتب به المؤلف ما كتبه عن نبينا ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ بأبي هو وأمي وبنفسي وبالناس أجمعين ـ فليس هذا مجال مناقشته ، ولكن الذي يعنيني أن أضبط هذا المستشرق العلامة متلبسًا بخيانة المنهج ، وذلك في قوله : " وظن أن يهود خيبر قد دسوا له السم في اللحم " فهذا التعبير بـ " ظن " يريد به أن ينفي صحة الخبر ، ليبرئ اليهود بالتالي من جريمة محاولة قتله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالسم ، ومن قتل الصحابي الجليل الذي أكل معه .
وهذا الخبر " خبر دس السم " موجود مشهور في مصادر السيرة النبوية المختلفة ، فقد أورده ابن هشام في سياق غزوة خيبر ، وأورده " ابن سعد " في طبقاته ، ورواه البخاري في غير موضع " 5/176 " ، ومسلم " 7/14ـ15 " ، كلاهما من حديث أنس ـ رضي الله عنه ـ ، وأحمد برقم " 2885 " من حديث ابن عباس ، وأبو داود : " 1/146 " ، والدارمي "1/33 " عن جابر ـ رضي الله عنه ـ … ، " وفيه اعتراف اليهود بدس السم وعفو الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن هذا الجرم الفظيع ، مع موت الصحابي الجليل "البراء بن معرور" ـ رضي الله عنه ـ بهذا السم " .
ومع ثبوت هذا الخبر ووفرة مصادره تأبى " الأمانة العلمية " و " الحيدة الأكاديمية " و " منهج البحث " على هذا المستشرق العتيد إلا أن يزيف ويحرّف ، فينكر الخبر ، وينسب الحادثَة في إيجاز بارع إلى مجرد ظنٍّ ووهم .
وعلى حين ينكر هذا الخبر الثابت ، يحرف ويزيف خبرًا آخر ، يزيد فيه وينقص منه .
فيقول في " ص77 " ، وهو يتحدث عن الثراء الذي جاء المسلمين نتيجةً للفتح : " … وكانت للزبير بيوت في عدة مدن مختلفة ، وكان يمتلك ألف جواد ، وعشرة آلاف عبد…" .
وهذا الخبر بهذه الصورة وبهذا الإيجاز ، يجمع ألوانًا وأفانين من التحريف ، ففيه زيادة ، وفيه نقص ، وفيه تغيير وتبديل ،وبيان ذلك :
إن الخبر ورد في المصادر المعروفة والمشهورة هكذا : " كان للزبير ألف مملوك يؤدون إليه خراجهم كل يوم ، فما يُدْخلُ إلى بيته منها درهمًا واحدًا يتصدق بذلك جميعه " هكذا ورد الخبر في :
1- الإصابة لـ " ابن حجر العسقلاني "1/546 .
2- أسد الغابة لـ " ابن الأثير " 2/198 .