ادعاء التناقض والتعارض بين الأحاديث
(الشبكة الإسلامية)
من القضايا التي يجب أن تكون مسلَّمة لدى كل مسلم أن دين الله محفوظ من التناقض والتعارض ، وشريعته منزهة عن التضاد والتضارب ، لأنها منزلة من عند الله العليم الحكيم الذي لا تتضارب أقواله ولا تتنافر أحكامه .
فلا يمكن أن يوجد دليلان صحيحان من حيث الثبوت ، صريحان من حيث الدلالة يناقض أحدهما الآخر مناقضة تامة واضحة بحيث يتعذر الجمع والترجيح بينهما بحال من الأحوال .
والقول بوجود تناقض بين أقوال الرسول - صلى الله عليه وسلم - إما أن يأتي من عدم المعرفة بعلم الحديث ، بحيث لا يميز القارئ بين الصحيح من غيره ، فيورد التعارض بين أحاديث لا أصل لها ، أو يعارض حديثا صحيحاً بآخر مختلق موضوع ، وإما أن يأتي من عدم الفهم وضعف الفقه في حقيقة المراد بالنص .
وقد كان الإمام ابن خزيمة رحمه الله - وهو ممن اشتهر عنه الجمع بين الأحاديث التي ظاهرها التعارض - يقول : " لا أعرف حديثين متضادين ، ومن كان عنده فليأتني به لأؤلف بينهما " .
ولذا فإن من الأحكام الجائرة التي ألصقها المستشرقون وأذنابهم بالحديث وأهله ، دعوى التناقض بين الروايات والأخبار ، مما يجعل ذلك سبباً وجيها بزعمهم للتشكيك والطعن في الحديث النبوي .
فقالوا : " وضعت مبادئ شكلية زعم أصحاب الحديث أنها تستهدف تصحيح علل الحديث " أي : إزالة التعارض .
وقال " جوينبل " : وينبغي أن نذكر في هذا المقام أن مادة الحديث المروي كانت في الواقع أصل التنازع ، فالغالب أن ما في موضوع الحديث من هوىً هو الذي كان يثير المعارضة دائماً ، فالحكم النهائي لم يكن مقصوداً به قيمة المحدث ، وإنما كان المقصود به الحكم على مادة الروايات التي يرويها " .
ويذكر " ماكدونالد " أمثلة من الأحاديث المتناقضة بزعمه فيقول : " ونجد أحاديث تنص صراحة على أن محمداً كان لا يرضى عن الجدل في الدين ، بينما نجد أحاديث أخرى تصوره لنا مقبلاً على الجدال إقبالاً شديداً ، وكلا هذين النوعين مشكوك فيه على حد سواء ، وربما كان النوع الأول من هذه الأحاديث قد وضعه الذين ظلوا مدة طويلة يرفضون تحكيم العقل في هذه الأمور ، ويقنعون بما يصل إليهم عن طريق النقل " .
وقال أيضاً : " وكان من جراء الزيادات في الحديث أيضاً ، أن اشتد التناقض في صفات الله ، ولهذا نجد حديثاً يكثر وروده وهو " (( إن رحمتي تغلب غضبي أو تسبقه )) ، ونجد من جهة أخرى ذلك الحديث المخيف (( هؤلاء للجنة ولا أبالي وهؤلاء للنار ولا أبالي )) .
وعقد " أبو رية " في كتابه " أضواء على السنة المحمدية " فصلاً بعنوان " أحاديث مشكلة " ، ذكر فيه أحاديث استشكلها هو ، بعضها مرفوع وبعضها موقوف ، ومنها ما هو صحيح ومنها ما هو غير صحيح ، ليؤكد من خلال ذلك هذه الدعوى المفتراة .
وهي تهمة في الحقيقة ليست جديدة ، فقد وجهها بعض أهل الأهواء إلى المحدثين من قديم ، وتصدى للرد عليهم أئمة الإسلام في ذلك الحين ومنهم الإمام ابن قتيبة الدينوري صاحب كتاب " تأويل مختلف الحديث " حيث تكلم في مقدمة كتابه عن الباعث له على تأليف هذا الكتاب ، وكان مما ذكر ما وقف عليه من ثلب أهل الكلام لأهل الحديث وامتهانهم ، ورميهم بحمل الكذب ورواية المتناقض حتى وقع الاختلاف ، وكثرت النحل ....... إلخ .
ثم تبعهم على ذلك المستشرقون ومقلدوهم الذي رددوا هذه الدعاوى مغفلين أو متغافلين أصول المحدثين وقواعدهم في التعامل مع مثل هذا النوع من الأحاديث .
والواقع أن وجود تعارض في الظاهر بين بعض النصوص ليس بالأمر المستغرب ، ما دام فيها ما ليس منه بد من عام وخاص ، ومطلق ومقيد ، ومجمل ومفسِّر ، ومنسوخ وناسخ يرفع حكمه ، وليس بالضرورة أن يكون مردُّه إلى الوضع ، وقد ذكر العلماء وجوهاً كثيرة لأسباب اختلاف الحديث :
- منها تعدد وقوع الفعل الذي حكاه الصحابي مرتين في ظرفين مختلفين فيحكي هذا ما شاهده في ذلك الظرف ، ويحكي الثاني ما شاهده في ظرف آخر كحديثي ( الوضوء من مس الذكر ) ، و( هل هو إلا بضعة منك ) .
- ومنها أن يفعل النبي - صلى الله عليه وسلم- الفعل على وجهين إشارة إلى الجواز ، كأحاديث صلاة الوتر أنها سبع أو تسع أو إحدى عشرة .
- ومنها اختلافهم في حكاية حال شاهدوها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثل اختلافهم في حجة الرسول ، هل كان فيها قارناً أو مفرداً أو متمتعاً ، وكل هذه حالات يجوز أن يفهمها الصحابة من النبي - صلى الله عليه وسلم - ، لأن نية القران أو التمتع أو الإفراد مما لا يطلع عليه الناس .
- ومنها أن يسمع الصحابي حكماً جديداً ناسخاً للأول ، ولا يكون الثاني قد سمعه ، فيظل يروي الحكم الأول على ما سمع ، إلى غير ذلك من الأسباب .