وأخرج البخاري من حديث وهب بن منبهعن أخيه قال : سمعت أبا هريرة يقول : " ما من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أحد أكثر حديثاً مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب " ، وكان عبد الله بن عمرو قد استأذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أن يكتب بيده ما سمعه منه فأذن له ، يقول عبد الله: " كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أريد حفظه فنهتني قريش ، وقالوا : أتكتب كل شيء ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشر يتكلم في الغضب والرضا ؟ فأمسكت عن الكتابة ، فذكرت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأومأ بأصبعه إلى فيه _ أي فمه - فقال : ( اكتب فو الذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق ) رواه أبوداود .
وروى البخاري عن أبي ججيفة قال : قلت لعلي : هل عندكم كتاب ؟ قال : لا إلا ما في كتاب الله أو فهم أعطيه رجل مسلم ، أو ما في هذه الصحيفة ، قال : قلت : وما في هذه الصحيفة ؟ قال : " العقل ، وفكاك الأسير ، ولا يقتل مسلم بكافر " .
وكتب - صلى الله عليه وسلم - للملوك والعظماء كتباً يدعوهم فيها إلى الإسلام ، وكتب أيضاً إلى أمرائه وعماله كتبًا حددَّ لهم فيها الأنصبة ومقادير الزكاة والجزية والديات .
ولا يعكر على هذا الأحاديث التي تدل على النهي عن الكتابة كحديث أبي سعيد الذي رواه الإمام مسلم وفيه يقول - صلى الله عليه وسلم - : ( لا تكتبوا عني ومن كتب عني غير القرآن فليمحه ) ، فإن هذا النهي كان في أول الأمر حين خيف اشتغال الصحابة عن القرآن واختلاط غيره به ، ولتوجيه جهود الصحابة الذين كانوا يحسنون الكتابة إلى كتاب الله ، وقد " استقر الإجماع بعد ذلك وانعقد - كما يقول الحافظ ابن حجر - على جواز كتابة العلم بل على استحبابه بل لا يبعد وجوبه على من خشي النسيان ممن يتعين عليه تبليغ العلم " .
فقام جماعة من الصحابة بكتابة ما سمعوه من النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وبعضهم كتب ذلك في صحف خاصة كالصحيفة الصادقة لعبد الله بن عمرو بن العاص ، وكصحيفة جابربن عبد اللهوغير ذلك ، وقد ذكر الدكتور محمد عجاج الخطيب - في كتابه " السنة قبل التدوين " - جملة كبيرة مما كتبه الصحابة رضي الله عنهم في صدر الإسلام ، ومما كتبه التابعون رحمهم الله كصحيفة همام بن منبه ، حتى كثرت الكتابة وانتشرت .
أضف إلى ذلك ما كان يتمتع به الصحابة رضي الله عنهم من قوة الحافظة وصفاء الذهن ، فلم يكونوا بحاجة إلى تدوين الحديث بفضل ما وهبهم الله من هذه الصفات ، فحفظوا حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - مع حفظهم لكتاب الله ، وأدوه أداءً أميناً لمن بعدهم وكانت صدورهم أوعية للحديث استغنوا بها عن استيداعه القراطيس ، ومع ذلك فقد وجد من يكتب ، وبذلك تضامنت الذاكرة والأقلام جنباً إلى جنب في حفظ حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
وأما التدوين الذي حصل في أوائل القرن الثاني على يد عمر بن عبد العزيز فهي مرحلة متقدمة من مراحل التدوين ، وهو تدوين السنة تدويناً رسميا ً من قبل الدولة ، بحيث تكون مرجعاً يعتمد عليه الناس ويتداولونه فيما بينهم ، وكان أول من استجاب له الإمام الزهري ، فهذا التدوين الرسمي العام لا ينافي أن السنة كانت تكتب قبل ذلك ، ولا ينافي ما كتبه الصحابة وقيده التابعون من قبل ، إذ إن تقييد الحديث لم ينقطع بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أن أودع في المصنفات المختلفة .
وبذلك يتضح أن الحديث كان محط أنظار المسلمين ومحل عنايتهم ورعايتهم في مختلف العهود منذ عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فكان في كل عهوده محفوظاً في الصدور ، ومكتوباً في السطور ، وقد تناقله المسلمون بكل حرص وأمانة جيلا بعد جيل بالمشافهة والكتابة حتى أودع المصنفات والكتب والمسانيد ، وبذل علماء الإسلام غاية الجهد في خدمته ، فميزوا صحيحه من ضعيفه ، وأودعوا ذلك كتباً ظلت موضع قبول الأمة وإجماعها إلى يوم الناس هذا كالصحيحين وغيرهما ، فظهر بذلك كذب هؤلاء المستشرقين وتهافت ادعاءاتهم وافتراءاتهم ، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون .
===============
التدوين وأثره في الفقه
(الشبكة الإسلامية)
من الشبه الشائعة التي أصبحت عند البعض كأنها من المسلمات ، وقد يلقيها بعض المتخصصين في الدراسات الفقهية على الطلاب في الجامعات ، أن تدوين الحديث تأخر عن تدوين الفقه وانتشار المذاهب الفقهية ، الأمر الذي أدى إلى الخلاف بين الفقهاء ، بل بالغ بعضهم إلى درجة توهم البعد بين بعض المذاهب الفقهية المعتمدة وبين السنة النبوية . . !! .
وهذه الشبهة من أصلها قول من أبعد النجعة عن الحقيقة ، والحقيقة التاريخية تثبت خلاف ما ادعاه هؤلاء ، وذلك للأمور التالية :