تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3- البداية والنهاية " لـ " ابن كثير " 7/251 .

4- صفة الصفوة " لـ " ابن الجوزي " 1/346 .

5- الاستيعاب لـ " ابن عبد البر " (بهامش الإصابة) 1/583 .

وبعض هذه المراجع من منشورات المستشرقين ، أعني أن هذا الخبر بهذه الصبغة كان متاحًا له وبين يديه ـ وهم يزعمون ، ويزعم تلاميذهم أنهم يستقصون المراجع ، ولا يخطون حرفًا إلا بعد جمع كل ما يتصل بموضوعهم ـ ولكنه كما ترى ارتكب التحريفات الثلاثة الآتية :

(1) زيادة " ألف جواد " من عنده ، فقد أقحمها في الخبر ، ولا وجود لها فيه أصلاً .

(2) نقص الجزء الأخير من الخبر عن تصدق الزبير بخراج هؤلاء المماليك .

(3) زيادة الألف مملوك إلى عشرة آلاف .

وهكذا تكون " الأمانة العلمية " و " النزاهة " و " الحيدة " و " التجرد " و " المنهج " إلى آخر هذا الركام من الأحجار التي يُلقمونها لمن يريد أن ينظر في عمل المستشرقين .

* وهاك نموذجا آخر للتحريف وخيانة المنهج ، وهو ما قاله هذا المستشرق عن " هارون الرشيد " ، ذلك الخليفة العظيم ، وعلاقته بالبرامكة ، قال : " وكان هارون يحب جعفر حبًا أطلق ألسنة السوء في علاقتهما الشخصية ، ويقال " إن الخليفة أمر بأن تصنع له جبة ذات طوقين ، يلبسها هو وجعفر معًا ، فيبدوان كأنهما رأسان فوق جسم واحد ، ولعلهما كانا في هذا الثوب يمثلان حياة بغداد الليلية "(كذا)( الجزء الثاني من المجلد الرابع ـ مسلسل رقم " 13 " ـ ص: 93 سطر 5-8 ، ولا يعفي " ديورانت " أنه عزا هذا الكلام إلى " مرجليوث " في كتابه (محمد ومطلع الإسلام) بل إن هذا يضاعف الجرم (أفعى ترضع سماً) ويشهد بعراقة الإفساد ، وتمكن الحقد من نفوس القوم ، وإحكام الكيد وسوء المكر ، وإن الإنسان ليعجب أيُّ علاقة لهذا الكلام عن هارون الرشيد بكتابِ عن "محمد ومطلع الإسلام" ؟؟ أية منهجية هذه ؟؟؟)

انظر مؤرخ الحضارة ، عملاق الفكر ، وربيب الأكاديمية ، وسادن العلم ، وأستاذ البحث والمنهج ، ينكر الحديثَ الثابت والخبر المتفق عليه ، الذي تردد في كل الكتب تقريباً ، " عن دس اليهود السم للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ " ، ويضيف ويغير في خبر ثروة " الزبير " ـ رضي الله عنه ـ ، ويأتي هنا بخبر (لقيط) لا يُدرى له أصل ، فيحتفي به أيما احتفاء ، بل يبني عليه من عنده ، فيتخذ منه مناسبةً ليطعن بغداد دار السلام عاصمة الدنيا كلها في ذلك الوقت ، فيقول : " ولعلهما كانا في هذا الثوب يمثلان حياة بغداد الليلية " ، هكذا يقذف المجتمعَ كله بهذه الفرية ، ولنا على هذا الكلام ملاحظتان :

الأولى : أن هذا الخبر على فرض صحته ، كان الأولى به أن يعف عن ذكره ، فلا (يلوِّث) به كتابه ، ولا يؤذي به حياء قارئه ، فهذا شأن العلماء ، والباحثين ، لاسيما وأن الخبر في سياقه مقحم لا قيمة له ، فإثبات قوة الصلة بين هارون الرشيد والبرامكة لا يحتاج إلى مثل هذا الفحش ، الذي يعف عنه عامة الناس ، بله كبار العلماء ، (آهٍ ، متى يعود لأمتنا مكانها حتى تقيم حدود الله ، وتجلد هؤلاء القذفة) .

الثانية : أن هؤلاء المستشرقين دائماً يدعون إلى العقل ، وتحكيم العقل في الخبر، مهما كانت صحة سنده ،والسؤال للمستشرق العملاق : هل يقبل عقلُ عاقل (أي عاقل) ، بله عقل متحضر ، بله عقل (مؤلف عالمي) ، هل يقبل العقل أن يمشي رجلان في ثوب واحد ؟؟ وكيف ؟ وبأي سعةٍ يكون هذا الثوب ؟ وأيهما يمشي أولاً ؟ وأيهما يمشي ثانيا؟ أم كان هناك إيقاع موسيقي يضبط حركتهما ؟؟!

وإذا تركنا هذا الإمكان (العملي) ، فهل يقبل العقل أن حاكماً في مثل منزلة هارون الرشيد كان فارغاً لهذا العبث ، بل لهذا الفساد؟ وهل يعقل أن من يصل إلى هذا الحد من (السقوط) يمكن أن يكون صاحب هذا التاريخ الذي زحم الدنيا ، من الغزوات والانتصارات والسفارات ، والبناء والتعمير ، وقيادة (الدنيا كلها) في طريق الحضارة والنور ، هذه الخطوات الفساح التي تمت في عهد " الرشيد " ، هل يقبل عقلُ عاقل أن " هارون الرشيد " الذي كان يقود الجيوش بنفسه ، ويقضي الشهور تلو الشهور في ملابس الميدان ، هذا الذي أذلّ أباطرةَ الروم ، ودفع عن ثغور المسلمين دسائسَهم ومؤامراتهم ، حتى مات مجاهداً ودفن هناك في (طوس) على أطراف دولته ، بعيداً عن عاصمته و (قصره) مسيرة أيام ، هل يعقل عاقل أن هذا المجاهد يصل إلى هذا المنحدر من السقوط ؟؟ إلا في عقل هؤلاء المستشرقين .

بل إن " جعفر البرمكي " هذا كان قائداً محنكاً ، ولاشك أن مؤرخ الحضارة قرأ عن أعماله الحربية العظيمة ، وأن " هارون الرشيد " كان يرمي به في أخطر المآزق ، ويلجأ إليه في أشق المضايق ، فطالما قمع الفتنة ، وردع العدوان ، وسدّ الثغور ، وحمى الحصون ، وجال في أرض العدو وصال .

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ٣٢٨٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ٣٢٨٥