تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبهذا التوجيه وجه أئمة النقد والرجال عبارة معاوية فقال ابن حبان في الثقات : " أراد معاوية أنه يخطئ أحياناً فيما يخبر به ولم يرد أنه كان كذاباً " ، وقال ابن الجوزي : " المعنى أن بعض الذي يخبر به كعب عن أهل الكتاب يكون كذباً ، لا أنه كان يتعمد الكذب ، وإلا فقد كان كعب من أخيار الأحبار " ، وقال ابن كثير في تفسيره : " يعني فيما ينقله ، لا أنه كان يتعمد نقل ما ليس في صحفه ، ولكن الشأن في صحفه أنها من الإسرائيليات التي غالبها مبدل مصحف محرف مختلق ، ولا حاجة لنا مع خبر الله تعالى ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى شيء منها بالكلية ، فإنه دخل منها على الناس شر كثير وفساد عريض " أهـ .

وأما وهب بن منبه فهو من خيار التابعين وثقاتهم ، أخرج له البخاري و مسلم ، ولا يُعلم أحد من أئمة هذا الشأن طعن فيه بأنه وضاع ودسَّاس ، بل رأيناهم يوثقونه ، فقد وثقه أبو زرعة و النسائي و العجلي ، وذكره ابن حبان في الثقات ، وقال الذهبي : " كان ثقة صادقاً كثير النقل من كتب الإسرائيليات " .

ولسنا ننكر رواية كعب وو هب وغيرهما للإسرائيليات ، فذلك أمر تنطق به كتب التفسير والحديث التي تعنى بسرد الإسرائيليات : ولكن يجب قبل أن نجازف بالحكم عليهم أن نأخذ بعين الاعتبار أمرين هامين :

الأمر الأول : أن ما رووه من أخبار بني إسرائيل ، لم يسندوه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولم يكذبوا فيه على أحد من المسلمين ، وإنما كانوا يروونه على أنه من الإسرائيليات ، ويحكونه غير مصدقين له ، بل كان موقفهم منها كموقف الصحابة رضي الله عنهم ، فما جاء على وفق شرعنا صدقوه ، وما خالفه كذبوه ، وما لم يوافق أو يخالف شرعنا توقفوا فيه وردوا فيه علمه إلى الله عز وجل .

الأمر الآخر : أنه ليس كل ما ينسب إليهم صحيحاً ، فقد اختلق الوضاعون عليهم أشياء كثيرة ، فاتخذوهم مطية لترويج الكذب وإذاعته بين الناس ، مستغلين شهرتهم العلمية الواسعة بما في كتب أهل الكتاب ، ثم تناقل هذه الأخبار بعض القصاص والمؤرخين والأدباء ، وبعض المفسرين على أنها حقائق ، من غير أن يتثبتوا من صحة نسبتها إلى من عزيت له .

يقول الشيخ أحمد شاكر رحمه الله : " وبعض أهل عصرنا تكلم فيه - يقصد وهب بن منبه - عن جهل ، ينكرون أنه يروي الغرائب عن الكتب القديمة ، وما في هذا بأس ، إذ لم يكن ديناً ، ثم أنى لنا أن نوقن بصحة ما روي عنه من ذلك وأنه هو الذي رواه وحدَّث به " .أهـ .

فهل بعد هذا كله نقبل كلام " جولد زيهر " ومن مشى في ركابه ، ونعرض عن كلام أئمة الإسلام ، وجهابذة المحدثين والنقاد ، الذين وثقوا هؤلاء الرواة ، وخرجوا أحاديثهم في كتبهم التي تلقتها الأمة بالقبول جيلاً بعد جيل ، فضلاً عن أن نتهمهم بالمكر والدهاء والكيد للإسلام وأهله ، اللهم إنا نبرأ إليك من ذلك .

مراجع الموضوع :

- دفاع عن السنة د. محمد محمد أبو شهبة .

- التفسير والمفسرون د. محمد حسين الذهبي .

- الإسرائيليات في التفسير والحديث د. محمد حسين الذهبي .

- الإسرائيليات وأثرها في كتب التفسير د.رمزي نعناعة .

- الحديث والمحدثون محمد محمد أبو زهو .

================

المستشرقون وإسناد الحديث

(الشبكة الإسلامية)

تنبع أهمية الإسناد ومكانته في ديننا من أهمية الحديث ومكانته التشريعية ، والتي تحتل المرتبة الثانية بعد كتاب الله تعالى ، فالسند كان ولا يزال أهم الوسائل التي حفظ الله بها الحديث وصانه من الوضع والكذب والافتراء ، كما أنه المعيار الأول الذي تقيم به الروايات ، وتوزن به الأخبار ، لمعرفة صحيحها من سقيمها ، وقويها من ضعيفها .

وقد بدأ إسناد الحديث مع بداية الرواية التي بدأت في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - حين كان الصحابة يتناوبون في حضور مجلسه عليه الصلاة والسلام فيبلغ الشاهد منهم الغائب ، وينقل كل منهم لغيره ما سمعه وشاهده ، مع نسبة القول أو الفعل إلى قائله الذي سمعه منه سواء كان ذلك القائل النبي - صلى الله عليه وسلم - أو صحابياً آخر سمعه من النبي -صلى الله عليه وسلم - ، وقد لا يذكر بعضهم الواسطة فيما لم يسمعه مباشرة من النبي - صلى الله عليه وسلم - ، لا عن جهل منه وعدم معرفة بمن أخذ عنه ، ولكن لوجود الثقة بينهم ، وبعدهم عن مظان الكذب ، فالصحابة كلهم ثقات عدول ، ولقرب العهد بالنبي - صلى الله عليه وسلم - .

ثم استمر الحال على ذلك مدة من الزمن ، وإن كان الاحتياط والتثبت في الرواية قد وُجد على عهد الخليفتين الراشدين أبي بكر و عمر رضي الله عنهما ، كما يدل عليه قصة أبي بكر رضي الله عنه مع المغيرة بن شعبة في ميراث الجدة ، وقصة عمر رضي الله عنه مع أبي موسى في الاستئذان ثلاثاً ، إلا أنه لم ينتقل إلى طور الإلزام بإسناد الحديث عند روايته .

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ٣٢٤١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ٣٢٤١