أو جاهل يتعاطى الفقه ويطلبه من غير مظانه ، إذا سمع أخبار أبي هريرة فيما يخالف مذهب من قد اجتبى مذهبه وأخباره ، تقليداً بلا حجة ولا برهان ، تكلم في أبي هريرة ، ودفع أخباره التي تخالف مذهبه ، ويحتج بأخباره على مخالفيه ، إذا كانت أخباره موافقة لمذهبه .
وقد أنكر بعض هذه الفرق على أبي هريرة أخباراً لم يفهموا معناها ، أنا ذاكر بعضها بمشيئة الله تعالى " أهـ .
ثم أخذ الحاكم يذكر بعض الأحاديث التي استشكلت من أحاديث أبي هريرة ويجيب عنها .
فهذه كلمة الحق في رواية الإسلام أبي هريرة رضي الله عنه ، وهذا هو ما ذهب إليه أئمة الهدى ، وأعلام التقى ، وكبار فقهاء الإسلام ومحدثيه ، وإن صحابياً يظل يحدث الناس سبعاً وأربعين سنة بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - على مرأى ومسمع من كبار الصحابة والتابعين ، ويبلغ الآخذون عنه ثمانمائة من أهل العلم ، لا يعرف أن أحداً من الصحابة بلغ مبلغه في الآخذين عنه ، وكلهم يجمع على جلالته والثقة به ، وينطوي على ذلك تاريخ الإسلام أربعة عشر قرناً من الزمان ، وكلها شهادات حق وصدق في أحاديثه وأخباره ، ليأتي اليوم من يشكك فيه ، ويزعم أن المسلمين جميعاً أئمة وأصحاباً وتابعين ومحدثين كانوا مخدوعين فيه ، ولم يعرفوه على حقيقته ، وأنه كان يكذب ويفتري في الواقع ، فأي إزراء واستخفاف بعقول هذه الأمة وعلومها ودينها أعظم من هذا ، وصدق الله : ﴿ فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ﴾( الحج 46) .
المراجع :
- السنة ومكانتها في التشريع د.مصطفى السباعي .
- دفاع عن السنة د. محمد أبو شهبة .
- أبو هريرة راوية الإسلام د. محمد عجاج الخطيب .
- موقف المدرسة العقلية من السنة النبوية ، الأمين الصادق الأمين .
- الحديث والمحدثون محمد أبو زهو .
- المستشرقون والحديث النبوي د. محمد بهاء الدين .
- الأنوار الكاشفة لما في كتاب أضواء على السنة من الزلل والتضليل والمجازفة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني .
================
الإسرائيليات والحديث النبوي
(الشبكة الإسلامية)
من المعلوم أن الله جل وعلا أرسل الرسل وأنزل الكتب لتوحيده وعبادته ، وأن هناك أصولاً مشتركة اتفقت عليها جميع الأديان والرسالات ، فالعقائد وأصول الفضائل والأخلاق والآداب ، والضرورات التي جاءت جميع الشرائع بحفظها ، هذه أمور مقررة في كل دين ، ولا تختلف باختلاف الأزمان ، ولا باختلاف الرسالات قال سبحانه:﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ﴾(الشورى 13) ، وقال سبحانه : ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ﴾(الانبياء 25) .
وأما تفصيلات الشرائع العملية ، فهي تختلف من دين لآخر ، فما يصلح لزمان قد لا يصلح لزمان آخر ، وما يلائم طبيعة قوم قد لا يلائم آخرين ، ولذا قال سبحانه : ﴿ لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ﴾(المائدة 48) .
ثم إن الكتب السماوية السابقة قد طواها الزمن ولم يصل إلينا منها غير التوراة والإنجيل ، ولم يسلما مع ذلك من التحريف والتبديل ، وأما القرآن فقد كتب الله له الخلود ، وحفظه من الضياع والتحريف والتبديل ، فجاء مصدِّقاً لما سبقه من الكتب ، مؤكداً على الجانب الذي دعا إليه كل الأنبياء ، وقامت عليه جميع الرسالات .
وفي الوقت نفسه جاء مهيمناً وحاكما وشاهداً عليها ، يبين ما طرأ عليها من تحريف وتغيير وتبديل ، فما وافقه منها فهو حق ، وما خالفه فهو باطل ، وقد وصفه الله بهذين الوصفين بقوله :﴿ وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه ﴾(المائدة 48) .
وقد كان لاختلاط المسلمين بأهل الكتاب ومجاورتهم لهم ، ودخول كثير منهم في الإسلام ، أثره في نقل كثير من أخبارهم إلى المسلمين ، وهو ما اصطلح عليه العلماء بـ " الإسرائيليات " من باب التغليب ، وإلا فإنه يشمل أخبار أهل الكتابين معاً اليهود والنصارى على حد سواء .
ولعل مما أسهم في انتقال تلك الأخبار أن من منهج القرآن في سرد القصص والحوادث الاقتصار على مواضع العظة والعبرة ، وعدم التعرض للتفاصيل والجزئيات ، والنفوس تتشوف لمعرفة جزئيات الحوادث ، وتفصيل مجملات القصص ، وأخبار بدء الخلق والتكوين وما أشبه ذلك ، أضف إلى ذلك وجود الإذن النبوي في التحديث عن بني إسرائيل من غير حرج ، فكان بعض الصحابة رضي الله عنهم يسألون عن ذلك بالقدر الذي يرون أنه موضح للقصة ، ومبين لما أجمل في القرآن ، من غير أن يخرجوا عن دائرة الجواز والإذن النبوي .