ونحن عندما نقول بظاهر الحديث ينبغي أن نفرق بين المس وبين الإغواء والإضلال ، فلا يلزم من وقوع المس والنخس إضلال الممسوس وإغواؤه حتى يقال إن الحديث معارض لقوله تعالى : ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ﴾( الحجر42) ، وقوله :﴿إلا عبادك منهم المخلصين ﴾(الحجر 40) ، لأنه يفيد عدم تسلط الشيطان على الأنبياء والمُخْلَصين .
فإن الآية إنما تدل على عدم تسلطه عليهم بالإغواء والإضلال الدائم ، ومع ذلك فقد يسلط على بعضهم بإغواء عارض ، أو إلحاق ضرر لا يؤثر على الدين ، وكم تعرض الشيطان للأنبياء والأولياء بأنواع الإفساد والأذية .
وماذا يقول هذا المنكر فيما أثبته الله في كتابه عن نبي الله موسى عليه السلام وقوله بعد أن قتل القبطي : ﴿قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين * قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم ﴾( القصص 15-16 ) ، ومن قبله أيوب حين نادى ربه ﴿أني مسني الشيطان بنصب وعذاب ﴾( صّ 41) ، وقول الله تعالى لنبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- : ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين * وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم * إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ﴾( الأعراف199 - 201) .
ونبينا عليه الصلاة والسلام عرض له الشيطان ليقطع صلاته فأمكنه الله منه ، فرده الله خاسئاً كما في الصحيح ، وأخبر أنه ما منا من أحد إلا وقد وُكِّل به قرينه من الجن ، حتى هو نفسه - صلى الله عليه وسلم- إلا أن الله أعانه عليه فأسلم ، على رواية الرفع بمعنى : " أسلم من شره وفتنته " ، وعلى رواية الفتح بمعنى : " أنه دخل في الإسلام " ، وهما روايتان مشهورتان .
والمقصود أن القرآن والسنة أثبت شيئاً من تعرض الشيطان للأنبياء والمخلصين بأنواع الأذى وأما الزيغ والإضلال فقد عصمهم الله منه .
ولا يلزم أن تمتلئ الدنيا صراخاً ونحيبا - كما توهم الزمخشري - لأن الحديث إنما جعل ذلك عند الولادة فحسب ولم يجعله مستمراً مدى الحياة ، والتجربة والمشاهدة خير حكم وبرهان ، فما من مولود إلا ويستهل صارخاً وباكياً تصديقاً لهذا الحديث ، وإنكار ذلك مكابرة .
فعلم من ذلك أنه لا إشكال أبداً حول الحديث لا من حيث النقل والسند ، ولا من حيث المتن والمعنى ، وأن الإشكال إنما أتى من الفهم السقيم ، والرأي غير المستقيم .
===============
أحاديث الفتن وأشراط الساعة
أحاديث الفتن وأشراط الساعة (1-2) ( الدجال )
(الشبكة الإسلامية)
اهتم الشارع بالعقل اهتماماً بالغاً فجعله مناط التكليف ، وأحد الضرورات الخمس التي جاءت الشرائع بحفظها ورعايتها ، وقامت عليها مصالح الدين والدنيا ، وخاطب الله أصحاب العقول والألباب وأثنى الله عليهم في غير ما آية من كتابه .
ومع ذلك فإن للعقل حدوداً لا يتعداها ، ومواطنَ ينتهي إليها ، ولا سبيل له إلى إدراك كل مطلوب ، ولهذا أنزل الله الكتب وأرسل الرسل ، فلولا الرسالة لما اهتدى العقل إلى معرفة تفاصيل أركان الإيمان ، وشرائع الإسلام ، وما يتعلق بالساعة والمعاد والبعث والحساب والجزاء وغير ذلك من أمور الغيب .
ومع أن عقل رسول الله - صلى الله عليه وسلم هو أكمل العقول وأزكاها على الإطلاق ، إلا أن الله سبحانه أخبر أنه قبل الرسالة ما كان يدري ما الكتاب ولا الإيمان ، يقول جل وعلا :﴿وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ﴾ ( الشورى 52) ، وبين أنه لم يحصل على الهداية إلا بالوحي والشرع الذي جاءه من عند الله ، قال سبحانه :﴿قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي إنه سميع قريب ﴾ (سبأ 50) .
فالعقل إذاً لا يصح إن يُجعَل حاكماً بإطلاق ، بل الحاكم هو الشرع والعقل تابع له ، وما مثله في ذلك إلا كمثل ضوء الشمس مع العين ، فالشرع هو الشعاع الذي يضيء للعين لكي ترى وتبصر ، ويستحيل بدونه أن يدرك مالا يقدر عليه من المعارف .
وإذا كان الأمر كذلك فإن من أخطر مظاهر الانحراف وعدم الاستسلام الكامل للشريعة ، تقديم العقل ، وتحكيمه في أمور النقل ، وردُّ بعض الأحاديث الصحيحة أو تأويلها بحجة مخالفتها للعقول ، من غير تمييز بين ما يستطيع العقل أن يدركه ، وما لا يستطيع .
وقَدَمُ الإسلام لا تثبت إلا على ظهر التسليم والاستسلام كما قال الإمام الزهري رحمه الله في كلام جامع يبين القاعدة في هذا الأمر : " من الله الرسالة ، ومن الرسول البلاغ ، وعلينا التسليم " .
وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم- في أحاديث كثيرة - بظهور المسيح الدجال ، ومكان خروجه وصفته ، وأتباعه ، وفتنته ، وبعض الخوارق التي يجريها الله على يديه ، وسبل الوقاية من هذه الفتنة ، ثم هلاكه ومقتله على يد نبي الله عيسى عليه السلام ، وكل هذا مروي من طرق متكاثرة في الصحيحين وغيرهما من كتب السنة المعتمدة .