وإن القوم لعلمهم أن حربَ الكلمة والفكر ، ليست كحرب السلاح والدم ، ففي الثانية كلما تكاثفت الضربات ، وتوالت الطعنات ، وتقدمت الجيوش تحرق وتدمر ، كان النصر، لكن في حرب الكلمة والفكر " كلما كانت الضربة " أخف وأرق وألطف ، وكلما تباعدت الضربات ، وكلما كانت الضربات والطعنات مغلفة بغلاف كافٍ من الحقائق والصدق ، كان ذلك أوجع وأوقع وأخطر .
نماذج من تحريف النصوص وخيانة المنهج :
" جولد تسيهر " :
يحمل المستشرق " جولد تسيهر " على السنة المطهرة حملة شعواء ، ويحشد لما يقوله من التشكيك فيها ، أدلةً من أوهامه ، وتزييفاته ، وتحريفاته ، نكتفي بعرض نموذجٍ واحد لهذه التحريفات ، التي يزيف بها النصوص ، ويغيرها ، لتحقق له هدفه .
وهو محاولة الطعن في رواية الحديث جملةً ، فيستعرض بعض ما يقوله علماءُ الرجال في الرواة ، ويُخرجونه مخرج الجرح والتعديل ، ليوهم بأن هؤلاء الرواة مجروحون ، كذابون .
فمن ذلك قوله : " … ويقول وكيع عن زياد بن عبد الله البكّائي " إنه مع شرفه في الحديث كان كذوبًا ، ولكن ابن حجر يقول في التقريب : " ولم يثبت أن وكيعًا كذبه".
يريد " جولد تسيهر " بهذا أن يقول إن زيادًا البكّائي كان كذوبًا ، مع علوّ منزلته في الحديث ، وذلك بشهادة " وكيع " أحد أعمدة الجرح والتعديل ، فإذا كان مثل زياد البكّائي " كذوبًا " فأي ثقة بالحديث ، والسنة ؟؟!! .
فلننظر أصل النص ، وكيف حرّفه " جولد تسيهر " : جاء في التاريخ الكبير للإمام البخاري : " وقال ابن عُقبة السَّدوسي " عن وكيع : هو " أي زياد بن عبد الله البكّائي " أشرف من أن يكذب ".أهـ .
هذا هو النص كما ترى ينفي عن " زيادٍ " الكذب أشدَّ النفي وأبلغه ، فهو " أشرف من أن يكذب " ، أي أنه أبعد من الكذب بسجيته وفطرته ، وطبعه وشرف نفسه ، وعلوّ همته وسموّ نفسه ، فلو كان الكذب " حلالاً " غير منهي عنه شرعًا ما كذب ، كما روي عن بعضهم " لو كانت خيانتُك حلالاً ما خُنتك " مبالغة في بعد الخيانة عن طبعه ، ومجافاتها لشيمه .
ومع وضوح هذا النص يحرّفه المستشرق إلى " أنه كان مع شرفه في الحديث كذوبًا" .
* ومن تحريفات " جولد تسيهر " أيضًا في نفس المجال ، اتهامه للإمام " الزهري " بأنه كان " مستعدًا لأن يضع الأحاديث لبني أمية ، وأن يكسوَ رغبات الحكومة باسمه المعتَرف به عند الأمة الإسلامية ، ولم يكن " الزهري " من أولئك الذين لا يمكن الإتفاقُ معهم ، ولكنه كان ممن يرى العمل مع الحكومة ، فلم يكن يتجنب الذهاب إلى القصر ، بل كان كثيرًا ما يتحرك في حاشية السلطان ، بل إننا نجده في حاشية " الحجاج " عندما ذهب إلى الحج ، وهو ذلك الرجل المبغَض … " إلخ .
يريد بذلك أن يوهم القارئ أن " الزهري " كان تابعًا لذوي السلطة ، يجري في فلكهم ويستمتع بالقرب منهم ، في مقابلة ما يؤديه لهم من خدمات في تخصصه ، أي العلم بالحديث ، حيث يخترع لهم الأحاديث التي " تكسو رغبتهم ثوبًا دينيًا " .
ولا يعنينا هنا تفنيد هذه التهم ، فليس هذا مجاله ، ولكن يعنينا أن نضع أمام القارئ الصورة البشعة لتحريف النصوص وتزييفها ، بقصد تنفير الناس من الإمام " الزهري " أحد أعمدة السنة وأركانها ، فـ " الزهري " لم يكن مع " الحجاج بن يوسف الثقفي " في حاشيته حين حج ، وإنما كان مع " عبد الله بن عمر " ـ رضي الله عنه ـ حين اجتمع مع " الحجاج " ، وإليك النص على حقيقته كما ورد في " تهذيب التهذيب " لـ " ابن حجر : " أخرج عبد الرزاق في مصنفه عن الزهري ، قال : كتب عبد الملك إلى الحجاج أن اقتد بابن عمر في المناسك ، فأرسل إليه ـ أي إلى ابن عمر ـ الحجاجُ يوم عرفة إذا أردت أن تروح فآذِنّا ، فراح هو وسالم ، وأنا معهما ، فـ " الزهري " إنما كان مع " عبد الله بن عمر " حين اجتمعا بـ " الحجاج " لا في معية " الحجاج " .
ثم هو يتعامى أيضًا ، عن ورع " عبد الملك " ، وأمره لـ " الحجاج " بالاقتداء بـ " ابن عمر " ، وعن طاعة " الحجاج" واقتدائه بـ " ابن عمر " ، ولكنه لا يرى شيئًا من ذلك ، حتى يؤكد ما قرروه في أذهان تلاميذهم من مؤرخينا ، عن ظلم بني أمية وفسادهم .
- ونموذج ثالث لتحريف هذا المستشرق نفسه ، في نفس المعنى ، أعني اتهام الإمام "الزهري" بالوضع ـ كبرت كلمة تخرج من أفواههم ـ قال عن " الزهري " واستعداده لمسايرة الحكام ، ووضع ما يرون من أحاديث : " قد كانت تقواه تجعله يشك أحيانًا ، ولكنه لا يستطيع دائمًا أن يتحاشى تأثير الدوائر الحكومية ، وقد حدثنا مَعْمر عن "الزهري" بكلمة مهمة ، وهي قوله : أكرهنا هؤلاء الأمراء على أن نكتب " أحاديث " .
فهذا الخبر يُفِهم استعداد " الزهري " أن يكسوَ رغباتِ الحكومة باسمه المعتَرف به عند الأمة الإسلامية " .