تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حتى الذين أقيم عليهم حدُُّ أو قارفوا ذنباً وتابوا منه ، لا يمكن أن يتعمدوا الكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وهؤلاء قلة نادرة لا ينبغي أن يغلب شأنهم وحالهم على حال الألوف المؤلفة من الصحابة ، الذين جانبوا المآثم والمعاصي لا سيما الكبائر منها .

وأما الذين لابسوا الفتن فكانوا مجتهدين يعتقد كل منهم أن الحق معه ، وعليه أن يدافع عنه ، والمجتهد مأجور على اجتهاده أخطأ أم أصاب ، ومع ذلك فهم قليل جداً بالنسبة لأكثر الصحابة الذين اعتزلوا هذه الفتن ، كما قال محمد بن سيرين : " هاجت الفتن وأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشرة آلاف فما خف لها منهم مائة ، بل لم يبلغوا ثلاثين " .

ولا يلتفت إلى استشهاد أبي رية بكلام " المقبلي " لأن " المقبلي " نشأ في بيئة اعتزالية المعتقد ، هادوية الفقه ، شيعية تشيعاً مختلفاً ، يغلظ فيه أناس ويخف آخرون ، فجاء حكمه متأثراً بتلك الأجواء التي عاشها ، والبيئة التي تربى فيها ، وقد بين ذلك العلامة المعلمي رحمه الله في الأنوار الكاشفة .

ونحن حينما نصف صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما هم له أهل ، فإنما نريد صحابته المخلصين الذين أخلصوا دينهم ، وثبتوا على إيمانهم ، ولم يغمطوا بكذب أو نفاق ، فالمنافقون الذين كشف الله سترهم ، ووقف المسلمون على حقيقة أمرهم ، والمرتدون الذين ارتدوا في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - أو بعده ، ولم يتوبوا أو يرجعوا إلى الإسلام ، وماتوا على ردتهم ، هؤلاء وأولئك لا يدخلون في هذا الوصف إطلاقاً ، ولا تنطبق عليهم هذه الشروط أبداً ، وهم بمعزل عن شرف الصحبة ، وبالتالي هم بمعزل عن أن يكونوا من المرادين بقول العلماء والأئمة : " إنهم عدول " ، وفي تعريف العلماء للصحابي ما يبين ذلك بجلاء ، حيث عرفوه بأنه من لقي - النبي صلى الله عليه وسلم - مؤمناً به ومات على ذلك .

وأما الزعم بأن الصحابة - أنفسهم في زمنهم - كان يضع بعضهم بعضاً موضع النقد ، وينزلون بعضاً منزلة أسمى من بعض ، وهو يعني بعض المراجعات التي كانت تدور بينهم حول بعض الأحاديث ، فلم يكن ذلك عن تكذيب منهم للآخر كما جاء عن أنس رضي الله عنه : " لم يكن يكذب بعضنا بعضاً " ، بل كانت الثقة متوفرة بينهم ، ولكنهم بشر لم يخرجوا عن بشريتهم ، فلا يمنع أن يراجع بعضهم بعضاً في بعض الأمور والأحكام ، إما للتثبت والتأكد ، لأن الإنسان قد ينسى أو يسهو أو يغلط عن غير قصد ، ومن ذلك ما ثبت من مراجعة الخليفتين أبي بكر و عمر رضي الله عنهما لبعض الصحابة في بعض مروياتهم ، وطلبهم شاهداً ثانياً ، فلم يكن ذلك منهم عن تهمة ولا تجريح ، وإنما هو لزيادة اليقين والتثبت في الرواية ، وليقتدي بهم في ذلك من بعدهم ، وليس أدل على ذلك من قول عمر رضي الله عنه ، لأبي موسى الأشعري - وقد طلب منه أن يأتي بمن يشهد معه على سماعه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أما إني لم أتهمك ولكنه الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

وقد تكون هذه المراجعة لأنه ثبت عند الصحابي ما يخالف الحديث ، أو ما يخصصه أو يقيده ، أو لأنه رأى مخالفته لظاهر القرآن ، أو لظاهر ما حفظه من سنة إلى غير ذلك ، وما دار بينهم من مراجعات مدون ومحصور في كتب الحديث ، ومشفوع بأجوبته ، وهم فيها بين مصيب له أجران ، ومخطئ له أجر واحد .

فليس من الإنصاف إذاً ، أن تُجعل هذه المراجعات دليلاً على اتهام الصحابة بعضهم لبعض ، وتكذيب بعضهم لبعض كما يزعم المرجفون .

إذاً فتعديل الصحابة رضي الله عنهم أمر متفق عليه بين المسلمين ، ولا يطعن فيهم إلا من غُمص في دينه وعقيدته ، ورضي بأن يسلم عقله وفكره لأعدائه ، معرضاً عن كلام الله وكلام رسوله وإجماع أئمة الإسلام .

المراجع :

- دفاع عن السنة د. محمد أبو شهبة .

- منهج المدرسة العقلية الأمين الصادق الأمين .

- السنة ومكانتها في التشريع د.مصطفى السباعي .

- الحديث والمحدثون محمد أبو زهو .

==================

أبو هريرة رضي الله عنه .... الصحابي المفترى عليه

(الشبكة الإسلامية)

بعد أن حاول أعداء السنة التشكيك في عدالة الصحابة ، كخطوة أولى لتمهيد السبيل ، وفتح الباب للطعن والتشكيك في أفرادهم وآحادهم - طالما أن عدالتهم وديانتهم قد سقطت - ، جاءوا إلى بعض الصحابة الذين عرفوا بكثرة الحديث والرواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فوجهوا سهام النقد إليهم ، ورموهم بكل نقيصة ، سعياً منهم إلى نزع الثقة فيهم ، وبالتالي إهدار جميع مروياتهم ، وعدم اعتبار أي قيمة لكتب السنة التي أخرجت هذه الأحاديث ، وأجمعت الأمة على تلقيها بالقبول ، وهذا هو ما يريدون التوصل إليه .

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ٣٢٣٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ٣٢٣٠