تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

شبهات حول حديث الذباب

(الشبكة الإسلامية)

من الأحاديث التي أثيرت حولها العديد من الشبهات قديماً ولا تزال حتى اليوم تثار وتردد بصيغة أو بأخرى - على الرغم من التقدم الطبي والتكنولوجي والذي أثبت بما لا يدع مجالاً للشك تصديقها وكونها معجزة من معجزات نبينا - صلى الله عليه وسلم - أحاديث وقوع الذباب في الإناء ، مع أنها أحاديث في غاية الصحة أخرجها البخاري وغيره ، وسنقف مع هذه الأحاديث والروايات والألفاظ الواردة ، ومجمل الشبه التي أثيرت حولها ، وردود العلماء والأئمة وأجوبتهم عن ذلك كله .

روايات الحديث

روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثم لينزعه ، فإن في إحدى جناحيه داء والأخرى شفاء ) ، وفي رواية : ( إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله ثم ليطرحه ، فإن في أحد جناحيه شفاء وفي الآخر داء ) .

وروى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ( إذا وقع الذباب في طعام أحدكم فامقلوه ) وفي رواية ( فإنه يقدم السم ويؤخر الشفاء ) ، وفي رواية لأبي داود : ( وإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء ) .

شبهات حول الحديث

طعن أهل البدع والضلال قديماً في صحة هذا الحديث بحجة أنه مخالف للعقل والواقع ، وأثاروا حوله العديد من الشبه ، فانبرى للرد عليهم ودحض شبهاتهم أئمة الحديث وعلماؤه الذين جمعوا بين المعقول والمنقول فبينوا فساد تلك الشبه وبطلانها بالأدلة البينة والحجج الدامغة ، ومن أولئك الإمام ابن قتيبة الدينوري رحمه الله فقد ذكر في كتابه " تأويل مختلف الحديث " أنه حديث صحيح ، وأنه روي بألفاظ مختلفة ، وذكر أن الطعن في الأحاديث بغير وجه حق يعتبر انسلاخاً من الإسلام وتعطيلاً للأحاديث ، وأن دفع الأخبار والآثار مخالف لما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولما درج عليه الخيار من صحابته والتابعين .

ومن أولئك أيضاً الإمام الطحاوي رحمه الله في كتابه " مشكل الآثار ، والإمام الخطابي في " معالم السنن " ونقله عنه الحافظ في الفتح ، والإمام ابن القيم في " زاد المعاد " وغيرهم ، وجاء بعض المعاصرين فطعنوا في هذا الحديث كما طعن فيه أسلافهم من أهل الابتداع قبلهم ، وزادوا شبهاً من عند أنفسهم أنتجتها عقولهم السقيمة التي جهلت حرمة النصوص ، وأساءت فهمها ، فسارعت إلى إنكارها والطعن فيها كما هو منهجها مع كل نص لا يتماشى مع أهوائهم وعقولهم ، ويمكن تلخيص شبهاتهم حول الحديث في جملة أمور :

الأول : أن إخراج البخاري للحديث لا يمنع من التماس علة في رجاله تمنع من صحته ، وهذه العلة - كما زعموا - هي كونه من رواية أبي هريرة وقد ردوا له أحاديث كثيرة ، وكذلك انفراد ابن حنين به ، وقد تكلم فيه من وجوه عدة .

الثاني : أنه حديث آحاد يفيد الظن ، فلا إشكال في رده ، وهو غريب عن التشريع لأنه ينافي قاعدة تحريم الضار ، واجتناب النجاسة ، وغريب عن الرأي لأنه يفرق بين جناحي الذباب ، فيدعي أن أحدهما به سم ضار ، والآخر ترياق نافع .

الثالث : أن العلم يثبت بطلانه لأنه يقطع بمضار الذباب .

الرابع : أن موضوع متنه ليس من عقائد الإسلام ولا من عباداته ، ولا من شرائعه ، ولا التزم المسلمون العمل به ، بل لم يعمل به أحد منهم لأنه لا دخل له في التشريع ، وإنما هو في أمور الدنيا كحديث " تأبير النخل " ، وبالتالي من ارتاب فيه لم يضع من دينه شيئاً.

الخامس: أن تصحيحه من المطاعن التي تنفر عن الإسلام ، وتكون سبباً في ردة بعض ضعاف الإيمان ، كما أنه يفتح على الدين شبهة يستغلها الأعداء .

ادعاء أن الحديث معلول :

أما ما يتعلق بالشبهة الأولى فإن البخاري رحمه الله لم ينفرد بإخراج هذا الحديث ، كما أن أبا هريرة لم ينفرد بروايته عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وكذلك عبيد ابن حنين لم ينفرد بروايته عن أبي هريرة .

فالحديث أخرجه البخاري و أبو داود و ابن ماجه ، و الدارمي و البيهقي ، و ابن خزيمة ، و أحمد ، و ابن حبان ، و البغوي و ابن الجارود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه .

وأخرجه النسائي ، و ابن ماجه ، و البيهقي ، و أحمد ، و ابن حبان ، و البغوي من حديث أبي سعيد رضي الله عنه .

كما أخرجه البزار و الطبراني من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه .

ورواه عن أبي هريرة جماعة من التابعين ، وهم عبيد بن حنين ، و سعيد المقبري ، و ثمامة بن عبد الله بن أنس ، و أبو صالح ، و محمد بن سيرين .

ولو لم يرد هذا الحديث إلا في صحيح البخاري ، لكان ذلك كافياً للحكم عليه بالصحة لما علم من إجماع الأمة على تلقي أحاديثه بالقبول ، ولم يستدرك هذا الحديث على البخاري أحد من أئمة الحديث ، ولم يقدح في سنده أي منهم ، بل هو عندهم مما جاء على شرط البخاري في أعلى درجات الصحة .

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ٣٢٠٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ٣٢٠٤