ومع ذلك فقد اشترطوا لجوازها شروطاً تضمن سلامة المعنى وعدم تحريفه ، فقالوا : نقل الحديث بالمعنى دون اللفظ حرام على الجاهل بمواقع الخطاب ، ودقائق الألفاظ ، أما العالم بالألفاظ ، الخبير بمقاصدها ، العارف بما يحيل المعاني ويغيرها ، البصير بمقدار التفاوت بينها حيث يفرق بين المحتمل وغير المحتمل ، والظاهر والأظهر ، والعام والأعم ، فإنه يجوز له ذلك ، وإلى هذا ذهب جماهير الفقهاء والمحدثين .
وهذا التجويز منهم للرواية بالمعنى إنما هو في غير ما تضمنته بطون الكتب ، أما ما دُوِّن في الكتب فليس لأحد أن يغير لفظ شيء من كتاب مصنف ، ويثبت بدله لفظاً آخر بمعناه لأن الرواية بالمعنى إنما رُخِّص فيها لما في ضبط الألفاظ والمحافظة عليها من الحرج والمشقة ، وذلك غير موجود فيما تضمنته بطون الكتب ، ولأنه لا يملك تغيير تصنيف غيره - كما ذكر ذلك الإمام ابن الصلاح - .
ومن الأحاديث ما لا يجوز روايته بالمعنى كالأحاديث التي يتعبد بلفظها مثل أحاديث الأذكار والأدعية والتشهد ونحوها ، وما كان من جوامع كلمه - صلى الله عليه وسلم - ، والأحاديث التي تتعلق بالأمور التوقيفية كأسماء الله وصفاته وغير ذلك ، فليس كل الأحاديث إذاً يجوز روايته بالمعنى .
على أن الرواية بالمعنى إنما تكون غالباً في الكلمة والكلمتين والثلاث ، وقل أن تقع في جميع ألفاظ الحديث ، وربما ذكر الراوي عقب الحديث - إذا اضطر إلى الرواية بالمعنى ولم يتأكد من اللفظ - لفظاً يفيد التصون والاحتياط ، لعلمهم بما في الرواية بالمعنى من الخطورة ، كما ثبت عن ابن مسعود أنه قال يوماً : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فاغرورقت عيناه ، وانتفخت أوداجه ، ثم قال : (( أو مثله أو نحوه أو شبهه )) رواه ابن ماجة وغيره .
كما أنه من الظلم والتلبيس عند اتهام هؤلاء الرواة الثقات - من الصحابة ومن بعدهم من التابعين وتابعيهم - بالتصرف في الألفاظ ، إغفال الخصائص الدينية ، والنفسية ، والخلقية ، التي كانوا يتمتعون بها ، والتي لم تتوفر لمن بعدهم بالقدر الذي توفر لهم ، مما عصمهم بإذن الله من التغيير والتبديل ، والتساهل في الرواية .
فقد كانوا عرباً خلصاً ، أهل فصاحة وبلاغة ، وكانوا على علم بمواقع الخطاب ، ومحامل الكلام ، مع ما هم عليه من الديانة والورع والتقوى ، وهم يعلمون بأن الذي يروونه دين من عند الله تعالى ، يحرم فيه الكذب على الله وعلى رسوله ، وأن أي تزيد فيه أو تحريف يقود المرء إلى أن يتبوأ مقعداً في النار .
إضافة إلى ما حباهم الله به من حوافظ قوية ، وأذهان سيالة ، وقلوب عاقلة واعية ، والغفلة عن ذلك كله إنكار للحق الثابت ، والواقع الملموس .
وبذلك يظهر لك أخي القارئ أن أكثر الأحاديث قد وصلت إلينا بمحكم ألفاظها ، وأن بعضها قد روي بالمعنى مع الاحتياط البالغ من أي تغيير يخل بالمعنى الأصلي ، وما عسى أن يكون قد دخل نزراً من الأحاديث بسبب الرواية بالمعنى فهو شيء يسير تنبه له العلماء وبينوه .
فعُلِم أن الرواية بالمعنى لم تجن على الدين ، ولم تدخل على النصوص التحريف والتبديل ، كما زعم المستشرقون ومن لفَّ لفَّهم ، وأن الله الذي تكفل بحفظ كتابه ، قد تكفل بحفظ سنة نبيه من التحريف والتبديل ، وقيض لها في كل عصر من ينفي عنها تحريف الغالين وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين .
المراجع :
دفاع عن السنة د . محمد أبو شهبة .
الحديث والمحدثون محمد محمد أبو زهو .
موقف المدرسة العقلية الأمين الصادق الأمين .
================
شبهات حول منهج المحدثين في الجرح والتعديل
(الشبكة الإسلامية)
من الأمور المعلومة بداهة أنه لا سبيل إلى معرفة ما جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من أحاديث وأخبار إلا عن طريق الرواة والنقلة الذين نقلوا أخباره جيلاً بعد جيل وطبقة بعد طبقة حتى دونت السنة في الكتب المعتمدة المعروفة ، ولذلك كان الاطلاع على أحوال هؤلاء الرواة والنقلة ، وتتبع مسالكهم ، وإدراك مقاصدهم وأغراضهم ، ومعرفة مراتبهم وطبقاتهم ، وتمييز ثقاتهم من ضعافهم هو الوسيلة الأهم لمعرفة صحيح الأخبار من سقيمها ، مما نتج عنه نشوء علم عظيم وضعت له القواعد ، وأسست له الأسس والضوابط ، فكان مقياساً دقيقاً ضبطت به أحوال الرواة ، من حيث التوثيق والتضعيف ، ذلك هو " علم الجرح والتعديل " الذي لا نظير له عند أمة من الأمم ، حتى عُدَّ هذا العلم نصف علم الحديث .
والذي يطالع كتب الرجال والتراجم والجرح والتعديل ، يقف مبهوراً أمام هذا العلم الذي لا يمكن أن يكون وضع صدفة أو تشهياً ، بل بذلت فيه جهود ، وفنيت فيه أعمار حتى بلغ قمة الحسن ومنتهى الجودة .