ثانياً : إن هذا التفسير النظري ليقف عاجزاً عن تفسير بكاء الصحابة العائدين من الغزوات إذ لم تُكتب لهم الشهادة ، ويقف عاجزاً كذلك عن تفسير حرصهم على قتال ذويهم وبني جلدتهم ، حتى ترى الوالد يقتل ولده ، والأخ يقتل أخاه ، كل ذلك في سبيل هذه الدعوة الجديدة ، كما أن هذه النظرية لتعجز عن تفسير رضا المهاجرين أن يتركوا ديارهم وأموالهم ، ويختاروا مفارقة الأوطان ، إلى مصير غير معلوم ، لو لم يعلموا يقيناً بنبوته صلى الله عليه وسلم .
ثالثاً : إن المتطلّع إلى محتويات الدين الإسلامي يجد فيه العديد من التشريعات المختلفة والأنظمة المحكمة الدقيقة ، خصوصاً ما يتعلّق بجوانب القضاء والإفتاء والحدود ، والشأن في المناهج الأرضية القويّة أن تجتمع عقول كثيرة لكي تخرج بنظام متكامل كهذا النموذج ، لا أن يكون منبع هذا الدستور من رجل أمي لا يعرف القراءة ولا الكتابة ، منشغلٍ بعبادته والاجتماع بصحابته ، ومثل هذا التصوّر يقتضي أن تكون هذه الشريعة من مصدر سماوي ، لا اجتهادات بشريةٍ عرضة للخطأ والصواب .
ونقول أخيراً : إن الإصلاح الاجتماعي هو قاسم مشترك بين الديانات السماوية والدعوات الأرضية ، كذلك فيما يتعلق بالدعوات السياسية ، فالكل يسعى إلى تحقيق الاستقرار وتنظيم الحياة ، ولكنا حينما نتكلم عن دين أتى من عند الخالق الحكيم فمن البداهة أن يكون أوسع نطاقا وأكمل نظاماً وأشمل منهجاً ، فليس هو بالمقتصر على جانب من جوانب الحياة أو نظام من نظمها .
وإذا كان الأمر كذلك ، فمن السذاجة أن يوصف الدور الذي قام به خاتم الأنبياء والمرسلين بأنه مجرد عمليات إصلاحية في المجتمع العربي ، أو محاولات لتصدّر الزعامة والسيطرة على مقاليد الحكم في جزيرة العرب ، فلا مناص من الاعتراف بالحق الواضح ، وهو ما عبّر عنه المستشرق " تريتون " بقوله : " إذا صحّ في العقول أن التفسير المادّي يمكن أن يكون صالحاً في تعليل بعض الظواهر التاريخية الكبرى ، وبيان أسباب قيام الدول وسقوطها ، فإن هذا التفسير المادي يفشل فشلاً ذريعاً حين يرغب في أن يعلّل وحدة العرب وغلبتهم على غيرهم ، وقيام حضارتهم ، واتساع رقعتهم وثبات أقدامهم ، فلم يبق أمام المؤرخين إلا أن ينظروا في العلّة الصحيحة لهذه الظاهرة الفريدة ، فيرى أنها تقع في هذا الشيء الجديد : ألا وهو الإسلام " .
تلك هي شهادة شاهد من أهلها ، فأي حجة بعد ذلك تنفع ، إذا كان ما سبق لا يُقنع !!
* من مصادر المقال :
- مجلة المنار : للشيخ محمد رشيد رضا
- شبهات التغريب : الأستاذ أيمن الجندي
الشبكه الاسلاميه
===================
الدفاع عن الصحيحين دفاع عن الإسلام
لا يزال مسلسل الكيد للسنة ورجالها مستمراً ، في مخطط يستهدف دين الإسلام واجتثاث أصوله ، وتقويض بنيانه ، فقد رأينا في مواضيع سابقة جزءاً من الحملات التي تعرضت لها السنة ورجالها بدءاً من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتشكيك في عدالتهم وديانتهم ، والطعن فيمن عرف بكثرة الرواية منهم ، ومروراً بكبار أئمة التابعين الذين كان لهم دور مشهود في تدوين الحديث ونشر السنة كالإمام الزهري وغيره .
وما أن فرغ خصوم السنة من ذلك حتى بدؤوا جولة جديدة ، كان الهدف فيها هذه المرة أعظم أصول الإسلام بعد القرآن ، فصوبوا سهامهم نحو الصحيحين ومؤلفيهما ، واتخذوهما غرضاً لحملاتهم وشبهاتهم ، لأن في النيل منهما نيلاً من الإسلام ، ولأن إسقاط الثقة بهما هو في الحقيقة إسقاط للثقة بجملة كبيرة من أحكام الشريعة التي إنما ثبتت بتصحيح هذين الإمامين الجليلين وتلقي الأمة لها بالقبول ، فإذا نجحوا في العصف بهما ، فقد أصابوا الإسلام في مقتل يصعب بعده استمرار الحياة ، ولذلك جعلوا من أهم أهدافهم وأولى أولياتهم إسقاط الثقة بأحاديث الصحيحين ورواتهما بشتى الوسائل ، لتنهار بعد ذلك صروح السنة في غيرهما من الكتب والمصنفات الأخرى ، وقد صرح بذلك بعضهم قائلاً : " ونخصّ الصحيحين بالبحث ، لأنّه إذا سقط ما قيل في حقّهما سقط ما قيل في حق غيرهما بالأولوية " .
وسنعرض لأهم ما أثير حول الصحيحين من شبهات ، وليس المقصود استيفاء كل الشبه الواردة وتفنيدها فهو أمر يحتاج إلى دراسة خاصة لا يتسع لها المقام ، ولكن حسبنا أن نشير إلى أهم الأمور البارزة التي ركز عليها هؤلاء ، سواء ممن ينتسب إلى الإسلام ويحسب على السنة أو ممن ينتسب إلى الفرق الضالة التي لها موقف معروف أصلاً من أحاديث الصحيحين لأنها لا تتفق مع أهوائهم وانحرافاتهم .
فقد ذكروا جملة من الشبه توهن من قوة الصحيحين بزعمهم ، وتثير الريبة في أحاديثهما ، وتحطم الهالة التي نسجت حولهما - كما يقولون - .
انتقاد أحاديث ورجال الصحيحين