المبحث الخامس : الترجيح :
الحق أن هذه القصة مختلقة موضوعة على النبي صلى الله عليه وسلم ، وأن الآية لا يصح في سبب نزولها إلا حديث أنس رضي الله عنه (31)،
وهذا الحديث ليس فيه شيء مما ذكر في هذه القصة ، فيجب الاقتصار عليه ، وطرح ما سواه من الروايات الضعيفة .
ومما يدل على وضع هذه القصة :
الدليل الأول : أنها لم تُروى بسند متصل صحيح ، وكل الروايات الواردة فيها ، إما أنها مرسلة ، أو أن في أسانيدها ضعفاء ومتروكين .
الدليل الثاني : تناقض روايات هذه القصة واضطرابها ، ففي رواية محمد بن يحيى بن حبان : أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء يطلب زيداً في بيته ، وأن زينب خرجت له فُضلاً متكشفة ، وأما رواية ابن زيد ففيها أن زينب لم تخرج إليه ، وإنما رفعت الريح الستر فانكشفت وهي في حجرتها حاسرة ، فرآها النبي صلى الله عليه وسلم ، وتأتي رواية أبي بكر بن أبي حثمة فتخالف هاتين الروايتين وتدعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استأذن عليها ، فأذنت له ولا خمار عليها ، وهذا الاضطراب والتناقض بين الروايات يدل دلالة واضحة على أن القصة مختلقة موضوعة .
الدليل الثالث : أن هذه الروايات مخالفة للرواية الصحيحة (32) الواردة في سبب نزول الآية ، والتي فيها أن زيداً جاء يشكو للنبي صلى الله عليه وسلم زينب ، ولم تذكر هذه الرواية شيئاً عن سبب شكواه ، وهي صريحة بأنه جاء يشكو شيئاً ما (33) ، وأما تلك الروايات الضعيفة فتدعي أن زيداً عرض طلاقها على النبي صلى الله عليه وسلم نزولاً عند رغبته ، لما رأى من تعلقه بها ، وهذا يدل على ضعف هذه الروايات ووضعها .
الدليل الرابع : أن هذه الروايات فيها قدح بعصمة النبي صلى الله عليه وسلم ، ونيل من مقامه الشريف ، فيجب ردها وعدم قبولها ، وتنزيه مقام النبي صلى الله عليه وسلم عن مثل هذه الأكاذيب المختلقة الموضوعة .
الدليل الخامس : أن الآيات النازلة بسبب القصة ليس فيها ما يفيد أن النبي صلى الله عليه وسلم وقع منه استحسان لزينب رضي الله عنها ، وقد تقدم وجه دلالتها على هذا المعنى ، في أدلة المذهب الأول ، والله تعالى أعلم .
---
---
**الحواشي :
(1) قائل هذه العبارة : هو مؤمل بن إسماعيل ، أحد رواة الحديث .
(2) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (3/149) قال : حدثنا مؤمل بن إسماعيل ، حدثنا حماد بن زيد ، حدثنا ثابت ، عن أنس ....، فذكره .
وهذا الحديث فيه ثلاث علل :
الأولى : أنه من راوية مؤمل بن إسماعيل ، وهو سيئ الحفظ ، كثير الغلط ، قال أبو حاتم : صدوق ، كثير الخطأ . وقال البخاري: منكر الحديث . وقال الآجري : سألت أبا داود عنه : فعظمه ورفع من شأنه ، إلا أنه يهم في الشيء . وذكره ابن حبان في الثقات وقال : ربما أخطأ . وقال يعقوب بن سفيان : حديثه لا يشبه حديث أصحابه ، وقد يجب على أهل العلم أن يقفوا عن حديثه ؛ فإنه يروي المناكير عن ثقات شيوخه ، وهذا أشد ، فلو كانت هذه المناكير عن الضعفاء لكنا نجعل له عذراً . وقال الساجي : صدوق كثير الخطأ ، وله أوهام يطول ذكرها . وقال ابن سعد : ثقة كثير الغلط . وقال الدارقطني : ثقة كثير الخطأ . وقال محمد بن نصر المروزي : إذا انفرد بحديث وجب أن يُتوقف ويُتثبت فيه ؛ لأنه كان سيئ الحفظ ، كثير الغلط . انظر : تهذيب التهذيب (10/339).
العلة الثانية : أن مؤمل بن إسماعيل قد تفرد بزيادة منكرة في هذا الحديث ، وهي قوله - في أول الحديث - :« أَتَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَنْزِلَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ ، فَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم امْرَأَتَهُ زَيْنَبَ ، وَكَأَنَّهُ دَخَلَهُ ». وقد روى هذا الحديث جماعة من الثقات ، عن حماد بن زيد ، ولم يذكروا هذه الزيادة ، ومن هؤلاء الرواة :
1- مُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ: أخرج حديثه ، البخاري في صحيحة ، في كتاب التفسير ، حديث (4787) ، قال : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ ، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه :« أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ :?وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ ? نَزَلَتْ فِي شَأْنِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ، وَزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ ».
2- مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ : أخرج حديثه ، البخاري في صحيحة ، في كتاب التوحيد ، حديث (7420) قال : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ قَال:« َ جَاءَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ يَشْكُو فَجَعَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : اتَّقِ اللَّهَ وَأَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ . قَالَ أَنَسٌ : لَوْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَاتِمًا شَيْئًا لَكَتَمَ هَذِهِ ».