الدليل الثالث : أن زينب رضي الله عنها تعتبر بنت عمة النبي صلى الله عليه وسلم (20) ، ولم يزل يراها منذ ولِدَت، وكان معها في كل وقت وموضع ، ولم يكن حينئذ حجاب ، وهو الذي زوجها لمولاه زيد ، فكيف تنشأُ معه ، وينشأُ معها ، ويلحظها في كل ساعة ، ولا تقع في قلبه إلا بعد أن تزوجها زيد، وقد كانت وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم وكرهت غيره ، فلم تخطر بباله صلى الله عليه وسلم ، فكيف يتجدد لها هوىً لم يكن ، حاشاه صلى الله عليه وسلم من ذلك ، وهذا كله يدل على بطلان القصة ، وأنها مختلقة موضوعة عليه صلى الله عليه وسلم .(21)
الدليل الرابع : أن الله تعالى بيّن الحكمة من زواجه صلى الله عليه وسلم بزينب ، فقال:? فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ? ، وهذا تعليل صريح بأن الحكمة هي قطع تحريم أزواج الأدعياء ، وكون الله هو الذي زوجه إياها لهذه الحكمة العظيمة ، صريح في أن سبب زواجه إياها ليس هو محبته لها ، التي كانت سبباً في طلاق زيد لها ، كما زعموا ، ويوضحه قوله تعالى:? فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا ? ؛ لأنه يدل على أن زيداً قضى وطره منها ، ولم تبق له بها حاجة ، فطلقها باختياره .(22)
المذهب الثاني : قبول هذه الروايات واعتمادها ، وجعلها سبباً في نزول الآية .
ويرى أصحاب هذا المذهب : أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم وقع منه استحسان لزينب ، وهي في عصمة زيد ، وكان حريصاً على أن يطلقها زيد فيتزوجها هو ، ثم إن زيداً لما أخبره أنه يريد فراقها ، ويشكو منها غلظة قول ، وعصيان أمر ، وأذىً باللسان ، وتعظماً بالشرف ، قال له : اتق الله فيما تقول عنها ، و أمسك عليك زوجك . وهو يخفي الحرص على طلاق زيدٍ إياها ، وهذا هو الذي كان يخفي في نفسه ، ولكنه لزم ما يجب من الأمر بالمعروف ، قالوا : وخشي النبي صلى الله عليه وسلم قالة الناس في ذلك ، فعاتبه الله تعالى على جميع هذا .(23)
وهذا المذهب روي عن : قتادة ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، وعكرمة ، ومحمد بن يحيى بن حبان ، ومقاتل ، والشعبي (24) ، وابن جريج (25) .
وهو اختيار : ابن جرير الطبري ، والزمخشري ، والبيضاوي ، وأبي السعود ، وابن جزي ، والعيني ، والسيوطي .(26)
قال ابن جرير الطبري :« ذُكِر أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى زينب بنت جحش فأعجبته ، وهي في حبال مولاه ، فألقي في نفس زيد كراهتها ، لما علم الله مما وقع في نفس نبيه صلى الله عليه وسلم ما وقع ، فأراد فراقها ، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمسك عليك زوجك ، وهو صلى الله عليه وسلم يحب أن تكون قد بانت منه لينكحها ، واتق الله ، وخفِ الله في الواجب له عليك في زوجتك ، ? وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ ? يقول: وتخفي في نفسك محبة فراقه إياها ، لتتزوجها إن هو فارقها ، والله مبدٍ ما تخفي في نفسك من ذلك ، ? وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ? يقول تعالى ذكره : وتخاف أن يقول الناس أمر رجلاً بطلاق امرأته ونكحها حين طلقها ، والله أحق أن تخشاه من الناس ».أهـ (27 )
أدلة هذا المذهب :
استدل أصحاب هذا المذهب على ما ذهبوا إليه ، بأدلة منها :
الدليل الأول : الروايات الواردة في سبب نزول الآية ، والتي فيها التصريح بما قلنا .
واعتُرِضَ : بأن هذه الروايات ضعيفة ، وليس فيها شيء يصح .
الدليل الثاني : أنه قد روي عن عائشة (28) ، وأنس (29) - رضي الله عنهما - أنهما قالا :« لَوْ كَانَ رَسُولُ صلى الله عليه وسلم كَاتِمًا شَيْئًا مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ لَكَتَمَ هَذِهِ الْآيَةَ:?وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ ? ».
قالوا : وهذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم وقع منه حبٍ لزينب ، وأنه كان يخفي ذلك ، حتى أظهره الله تعالى .
واعتُرِضَ : بأن مراد عائشة ، وأنس رضي الله عنهما : أن رغبة النبي صلى الله عليه وسلم في تزوج زينب ، كان سراً في نفسه لم يُطلِعْ عليه أحداً ، إذ لم يؤمر بتبليغه إلى أحد ، وعلى ذلك السر انبنى ما صدر منه لزيد في قوله :? أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ ? ، ولما طلقها زيد ورام تزوجها ، علم أن المنافقين سيرجفون بالسوء ، فلما أمره الله بذكر ذلك للأمة ، وتبليغ خبره ، بَلَّغَهُ ولم يكتمه ، مع أنه ليس في كتمه تعطيل شرع ، ولا نقص مصلحة ، فلو كان كاتماً شيئاً من الوحي لكتم هذه الآية ، التي هي حكاية سِرٍّ في نفسه ، وبينه وبين ربه تعالى ، ولكنه لما كان وحياً بلغه ؛ لأنه مأمور بتبليغ كل ما أنزل إليه.(30)