أجل إن لكل أمة من الأمم تقويمها الخاص بها ، به تعتز وإليها ينتسب وبه تؤرخ أحداثها وأيامها وتحدد أعيادها ومناسكها ، فهو يمثل تاريخها ودينها وحضارتها ، وهو حافظ ذاكرتها وصندوق ذكرياتها وسجل أحداثها ومرآة ثقافتها ، ولذلك وجدنا للمصريين والفرس والرومان والهنود واليهود والصينيين وغيرهم تقويمهم الخاص بهم ، وكان يستحيل على أمة تؤرخ بتقويم أمة أخرى ، أو على أصحاب ديانة أن يؤرخوا بتقويم ديانة أخرى ، وكان رجال الدين من كل أمة هم القيمين على التقويم يحددون بداية شهوره وأطوالها وطبيعة سنينه وأحوالها من حيث البسط والكبس وغيرها ، فنجد رهبان الرومان قوامين على تقويمهم ، وسدنة نار المجوس مسؤولين عن تقويمهم ، وكبار حاخامات السنهدرين من اليهود يختصون بتقويمهم ، والبابا غريغوري الثالث عشر على رأس لجنة تصحيح تقويم النصارى.
ووجدنا عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، يعرف عن تقاويم الأمم المجاورة من اليهود والفرس والأقباط والرومان ويؤسس للأمة الإسلامية تقويمها الخاص بها متمسكاً بالعمل بالتقويم القمري الذي يتناسب مع أعياد المسلمين ويعتمدون عليه في عباداتهم على نقائه عبر العصور فلم يتلوث بلوثتها ، كما هي حال التقاويم الأخرى التي خلعت أسماء الآلهة الوثنية على أسماء شهورها وأيامها : فنجد مثلاً شهر يناير اسماً لأحد آلهة الرومان. وكذلك فبراير ومارس ، ونجد كذلك الأيام الأسبوعية تسمى بأسماء آلهة تعبد : فالأحد (صن دي) يوم الشمس ، والاثنين (من دي) يوم القمر ، وهكذا بقية الأسبوع.
والتقويم القمري تقويم رباني سماوي كوني توقيفي قديم قدم البشرية ليس من ابتداع أحد الفلكيين ، وليس للفلكيين سلطان على أسماء الشهور العربية القمرية ، ولا على عددها أو تسلسلها أو أطوالها ، وإنما يتم كل ذلك في حرك كونية ربانية.
وتم تحديد عدد الشهور السنوية في كتاب الله القويم : (إن عدة الشهور عند الله اثتا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم). وفي الوقت الذي عبثت أصابع الفلكيين بتقويم الأمم الأخرى في كل جزئية من جزئياتها وأسماء شهورها وأطوالها وهيئاتها وتسلسلها فإنه لا سلطة للفلكيين أو غيرهم على التقويم القمري بحيث لا يستطيع أحد استبدال اسم شهر بشهر أو موقع شهر بشهر أو تزيد فيه يوماً أو تنقص منه يوماً ، فهو تقويم كامل لا يحتاج إلى تعديل أو تصحيح ، وهو رباني من تقدير العزيز العليم .
وسأضرب لكم مثالاً على العبث في تقاويم الأمم الأخرى بالتقويم الميلادي (اليولياني) فقد نقل يوليوس قيصر بداية السنة من شهر مارس إلى شهر يناير في سنة 45 ق.م وقرر أن يكون عدد أيام الأشهر الفردية 31 يوماً والزوجية 30 يوماً عدا فبراير 29 يوماً ، وإن كانت السنة كبيسة يصبح ثلاثون يوماً ، وتكريماً ليولوس قيصي سمي شهر كونتليس (الشهر السابع) باسم يوليو وكان ذلك في سنة 44 ق . م وفي سنة 8 ق . م غير شهر سكستيلس باسم القيصر الذي انتصر على أنطونيو في موقعة أكتيوم سنة 31 ق . م ، ومن أجل مزيد من التكريم فقد زادوا يوماً في شهر أغسطس ليصبح 31 يوماً ق . م بأخذ يوم من أيام فبراير وترتب على هذا التغيير توالي ثلاثة أشهر بطول 31 يوماً (7 ، 8 ، 9) نتيجة لذلك أخذ اليوم الحادي والثلاثين من كل شهري سبتمبر ونوفمبر وأضيفا إلى شهري أكتوبر وديسمبر ، وقد حدث تعديل آخر في عهد الباب (غريغور الثالث عشر) الذي قام بإجراء تعديلات على التقويم اليولياني حيث عالج الثغرات الموجود في التقويم اليولياني ، وقد عرف هذا التقويم باسم التقويم الغريغوري وهو التقويم الذي يعمل به حالياً (التقويم الميلادي).
التقويم العربي قبل الإسلام :
اتبع العرب قبل الإسلام الحساب القمري ولكنهم لم يعتمدوا تقويماً خاصاً بهم يؤرخون وفقه أحداثهم رغم اعتمادهم السنة القمرية بأشهرها الاثني عشرة ، وقد اعتمدوا في تاريخهم على بعض الأحداث الكبرى ومن ذلك تأريخ بناء الكعبة زمن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام نحو عام 1855 ق.م وانهيار سد مأرب سنة 130 ق.م تقريباً ، وفاة كعب بن لؤي الجد السابع لرسول الله صلى الله عليه وسلم سنة 59 ق.م وأرخوا برئاسة عمرو بن لحي سنة 260 ، وبعام الغدر ، وبعام الفيل وهو أشهرها سنة 571م ، وبحرب الفجار التي وقعت في الأشهر الحرم سنة 585م ، وبتاريخ تجديد الكعبة سنة 605م.