n أيها الإخوة: إن الناظر في القرآن الكريم لا يحتاج إلى كثير تأمل أو بحث ليقف على مكانة النبي صلى الله عليه وسلم عند المولى U فعشرات الآيات مبثوثة في القرآن تشير إلى هذه المكانة العظيمة، وبالنظر في أسباب نزول هذه الآيات نجد أن كثيراً من هذه التزكيات الربانية لنبيه وحبيبه تأتي في مقابل دعاوى باطلة يطلقها أهل الكفر والنفاق لتشويه صورة النبي صلى الله عليه وسلم أو التهوين من شأنه، ففي مقابل اتهامهم له بالجنون ينفي عنه الجنون﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ بل ويزكيه﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، وهكذا. أما أول هذه التزكيات: فوصفه بالعبودية: ذلك أن العبودية هي أرفع المقامات التي يمكن أن يصل إليها مخلوق، فالعبودية صفة مدح " وكلما ازداد العبد تحقيقاً للعبودية ازداد كماله وعلت درجته، ومن توهم أن المخلوق يخرج عن العبودية بوجه من الوجوه، أو أن الخروج عنها أكمل، فهو من أجهل الخلق بل من أضلهم، قال تعالى﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾" (الأنبياء:26) [العبودية: ص80]، فرد على من زعم أن الملائكة بنات الله – سبحانه- بقوله: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾، أي إن الملائكة لا يخرجون عن كونهم عباداً لله، لكنهم مكرمون لهم منازل عالية ومقامات سامية لتحقيقهم لمقام العبودية، ولما كان الوصف بالعبودية وصفَ مدح وتكريم، وثناء وإشادة، فقد وصف الله كل من اصطفى من رسله بذلك، أما نبينا فقد وصف بذلك في أشرف المقامات، عند الإسراء به ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾(الاسراء:1)، وعند الإيحاء إليه﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾(لنجم:10)، وعند قيامه بأشرف العبادات﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾(الجن:19)، ولو كان ثَّم وصفٍ أكرمَ وأشرفَ من العبودية لوُصف به صلى الله عليه وسلم في هذه المقامات.
n وأما التزكية الثانية: فوصفه بالخلق العظيم: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، وذلك في مقابل ذم كفار قريش له واتهامه بتهم باطلة، وليس هذا الوصف مجرد رد اعتبار له صلى الله عليه وسلم وتلطُّف به، كلا، بل هي تزكية حقيقية وصدق الله القائل: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾(النساء:49)، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً﴾(النساء: 122)، لذلك قد أدرك سموّ أخلاقه صلى الله عليه وسلم كل من تعامل معه أو جالسه، سواءً أكان مؤمناً أم كافراً، صديقاً أم عدواً، رجلاً أم امرأة، غلاماً أو كهلاً، حراً أم عبداً، بل لقد شهدت الكتب السابقة بحسن خلقه ولمّا يولد، كما جاء وصفه في التوراة والإنجيل-غير المحرف. ولقد رباه ربه على عينه وأحاطه الله بالرعاية، فحفظه منذ نعومة أظفاره من قبائح الجاهلية ورزاياها، فلم يتدنس بدنسها، ولم يقترف شيئاً مما يخدش الحياء- في مجتمع لم يكن يقيم للحياء وزناً، وكذلك اشتهر بالصدق والأمانة-بصفة خاصة- منذ نعومة أظفاره، حتى حاز لقب الصادق الأمين، مما جعلهم يأتمنونه على أنفس الأشياء وأغلاها- قبل أن يوحى إليه- فكيف بعد الوحي والرسالة؟! ورسالته ذاتها دعوة إلى مكارم الأخلاق كما قال صلى الله عليه وسلم (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) أخرجه الحاكم،
n وقد أدرك حكيم العرب أكثم بن صيفي سر دعوة النبي صلى الله عليه وسلم فقد روى الحافظ أبو يعلى: أن أكثم بن صيفي بلغه مخرج النبي صلى الله عليه وسلم فأراد أن يأتيه فأبى قومه أن يدعوه وقالوا : أنت كبيرنا لم تكن لتخُف إليه، قال : فليأته من يبلغه عني ويبلغني عنه، فانتدب رجلان، فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم فقالا : نحن رسل أكثم بن صيفي، وهو يسألك من أنت وما أنت ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم ( أما من أنا فأنا محمد بن عبد اللّه، وأما ما أنا فأنا عبد اللّه ورسوله ، قال: ثم تلا عليهم هذه الآية : ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل:90)، قالوا : ردد علينا هذا القول، فردد عليهم حتى حفظوه، فأتيا أكثم فقالا : أبى أن يرفع نسبه، فسألنا عن نسبه فوجدناه زاكي النسب وسطاً في مضر - أي شريفاً - وقد رمى إلينا بكلمات قد سمعناها، فلما سمعهن أكثم قال : إني أراه يأمر بمكارم الأخلاق وينهى عن ملائمها، فكونوا في هذا الأمر رؤوساً ولا تكونوا فيه أذناباً . أي أسرعوا إلى اتِّباعه تكون لكم فضيلة الأسبقية ولا تتأخروا فتكونوا أذناباً مؤخرين.