تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

n أيها الإخوة: أما التزكية الربانية الرابعة لنبيه صلى الله عليه وسلم فوصفه بالسراج المنير: فقال تعالى﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً﴾ (الأحزاب:45-46)، والسراج في اللغة هو المصباح الزاهر الذي يُسرج بالليل، ومن المعلوم أن نور السراج ذاتي، بمعنى أنه يتولد من نفسه ليضيء لغيره، لذلك وصف الله الشمس بأنها سراج؛ لأن نورها ذاتي خلافاً للقمر الذي نوره مكتسب، قال تعالى﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً﴾ (نوح:16) ، ووجه الشبه بين الرسول صلى الله عليه وسلم والسراج المنير واضح وبيِّن؛ فكما أن السراج يُستضاء بنوره لإزالة الظلمات الحسية، كذلك الرسول صلى الله عليه وسلم يهتدى به لإزالة ظلمات الجهل والكفر والضلال، وإليه ذهب الزمخشري رحمه الله(الكشاف ج3/432)، وقد يكون المراد بهذا التشبيه بيان أن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ظاهر كظهور نور الشمس لا يخفى على أحد، وهو ما ذهب إليه ابن كثير رحمه الله، فقال: أي أمرك ظاهر فيما جئت به من الحق؛ كالشمس في إشراقها وإضاءتها، لا يجحدها إلا معاند(تفسير القرآن العظيم ج3/505)، وليس فقط أن النبي صلى الله عليه وسلم كان سراجاً معنوياً، بل لقد جمع الله لنبيه صلى الله عليه وسلم إلى جانب النور المعنوي-نور هدايته- نوراً حسياً هو نور جماله، فقد أجمع الذين تشرفوا برؤية النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان وضيء الوجه؛ يتلألأ نور جماله؛ كأنه القمر ليلة البدر، ويكفينا الرجوع إلى أي كتاب في الشمائل المحمدية، أو أي باب في مناقب النبي صلى الله عليه وسلم في كتب السنة لنقف على النصوص الكثيرة والدقيقة في وصف النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن ذلك قول أبي هريرة t (ما رأيت أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه الشمس تجري في وجهه)[الشمائل لابن كثير ص15]، وسأل رجل البراء بن عازب t : أكان وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل السيف؟ قال: لا، بل مثل القمر [رواه البخاري].

n أما التزكية الربانية الخامسة: فامتنان الله على المؤمنين ببعثته إليهم: قال تعالى﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾(آل عمران:164)، نعم لقد كانت بعثة النبي صلى الله عليه وسلم نعمة كبرى من الله U وتفضلاً منه على العالمين، إذ كان سبباً في إخراجهم من الظلمات إلى النور، وهدايتهم إلى الصراط المستقيم، ولكن لمّا لم ينتفع بهذه النعمة إلا المسلمون خصوا بالذكر، وقد تضمنت الآية عدة أمور تؤكد هذه المنة: الأمر الأول: أنه من أنفسهم، أي من جنسهم البشري، ويتكلم بلسانهم العربي، وفي هذا زيادة منة على العرب بصفة خاصة، كما قال﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ﴾ (الزخرف:44)، أي لشرف لك ولقومك، لكونه نزل بلسانكم على رجل منكم، ولكن كما في القاعدة: الغُنم بالغُرم، فهذا التشريف يتبعه تكليف، فهل قمنا معشر العرب بواجبنا اليوم كما قام به من قبل أسلافنا؟؟!

n والأمر الثاني: أنه " يتلو عليهم الكتاب" أي يقرأ عليهم القرآن الكريم، فكان سبباً في تعلمهم القراءة بعد أن كانوا أمة أمية جاهلة، لا عهد لها بكتابة أو قراءة، فأكرمها الله بذلك﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾(الجمعة:2)

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ١٢٥٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ١٢٥٠