تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

n أيها الإخوة: لقد كانت بَعثة الرسل وإنزال الكتب عليهم من رحمة الله بعباده، إذ اصطفى منهم رسلاً وكلفهم هداية البشرية، فعندما أهبط الله أبا البشر آدم u إلى الأرض، ذكرَّه الله بعداوة إبليس له ولذريته، وبين له أنه لا واقي لهم من هذه العداوة إلا بإتباع الهُدى الرباني على ألسنة الرسل، قال تعالى﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾[طه:123-126] فقد تعهد الله - في هذه الآية- لمن اتبع هداه على ألسنة رسله بالحياة السعيدة، والطمأنينة والسكينة، والنجاة من الضلال والشقاء، وفي المقابل كل من أعرض عن هذا الهُدى ونأى بجانبه فعاقبته معيشة ضنكاً، معيشة ضيقة رغم سعة الكون، وحياة نكدة رغم رغد العيش، وهل بعد هذا الحال تعاسة وشقاءً ؟!! هذا في الدنيا، أما في الآخرة فالشقاء أدهى وأمر، ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ فكما كان أعمى البصيرة في الدنيا سيكون أعمى البصر يوم القيامة﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾[الإسراء:72]

n إذاً ( فمن أعظم نعم الله على عباده وأشرف مننه عليهم أن أرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه وبين لهم الصراط المستقيم، ولولا ذلك لكانوا بمنزلة الأنعام وأسوأ حالاً منها، فمن قَبِل رسالة الله واستقام عليها فهو من خير البرية، ومن ردها وخرج عنها فهو من شر البرية، وأسوأ حالاً من الكلب والخنزير وأحقر من كل حقير، فالحمد لله الذي أرسل إلينا رسولاً من أنفسنا يتلو علينا آياته ويزكينا ويعلمنا الكتاب والحكمة، وإن كنا من قبل لفي ضلال مبين)[ لوامع الأنوار البهية ج2/261]

n وإذا كان إرسال الرسل رحمة للعباد - كما صرح القرآن بذلك[1]، فإنما ينتفع بهذه الرحمة من اتبع الرسل، غير أن نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم خُص - دون سائر الأنبياء- بأن إرساله كان رحمة لمن أطاعه ولمن عصاه، كما بين ذلك ابن عباس t في تفسير قوله تعالى]وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين [ [الأنبياء:107] قال: " من آمن بالله واليوم الآخر كتب له الرحمة في الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن بالله ورسوله عُوفي مما أصاب الأمم من الخسف والقذف" [جامع البيان ج17/83]

n أيها الإخوة: ولا شك أن البشرية - مهما بلغ شأوها في التقدم الحضاري المادي- محتاجة إلى هُدى الرسل في كل زمان ومكان، لا فرق بين عصر التخلف المادي وعصر الذرة، لذلك تتابع مجيء الرسل إثر بعض ]ثم أرسلنا تترا [ [المؤمنون:44] كل ذلك لأن علاًم الغيوب يعلم أنه لا حياة طيبة إلا في ظلال هُداه ]ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير [ [الملك:14]، وإذا كانت البشرية لا تستغني عن هُدى الرسل في أي حِقبة من حِقبها فإن حاجتها إلى هُدى سيد المرسلين كانت ملحةً يوم بُعث - واليوم أشد إلحاحاً- فقد بُعث والناس في جاهلية جهلاء وضلالة عمياء، ما سلم من ذلك أهلُ الأديان فضلاً عن أهل الأوثان، فقد كان أهل الكتابين في حيرة من أمرهم، فجاءت رسالة المصطفى صلى الله عليه وسلم لتنقذهم من دوامة تحريف الكلم عن مواضعه، وتأليه الأحبار والرهبان بدون حجة أو برهان.

n ولقد سعد كل من استظل بظلال الإسلام منذ أن بعث النبي صلى الله عليه وسلم سواء أسلم واتبع هداه أم لم يسلم وظل على دينه، وخاصة أهلَ الكتابين- اليهود والنصارى- لا فرق في ذلك بين عهد النبوة والعصور التي تلته، بل إن بعض أهل الكتاب في الشام آثروا حكم الإسلام على حكم أهل دينهم وملتهم-الرمان- لِما رأوا من عدل المسلمين وإنصافهم، فقد كتب نصارى الشام إلى أبي عبيدة t - قائد جيوش المسلمين في فتح الشام- ما نصه: يا معشر المسلمين أنتم أحب إلينا من الروم، وإن كانوا على ديننا، أنتم أوفى لنا، وأرأف بنا، وأكفُّ عن ظلمنا، وأحسنُ ولاية علينا، ولكنهم غلبونا على أمرنا وعلى منازلنا. أعوذ بالله:﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾[آل عمران:71]، بارك الله...

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ١٢٤٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ١٢٤٨