تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وينطوي التعبير بفعل (الإخراج) بدلالته على البروز والظهور على معنى التحول لشيء غير موجود أو خفي ليصبح منظورا تتأمله العين, وأظهر مثال هو النبات فأصله بذور ضئيلة خالطت الماء, كما في قوله تعالى: "إِنّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السّمَآءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأرْضِ" [يونس: 24], وقوله: "وَاضْرِبْ لَهُم مّثَلَ الْحَيَاةِ الدّنْيَا كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأرْضِ" [الكهف:45], ولذا يرد فعل (الإخراج) بمعنى فعل (الإنبات) كما في قوله تعالى: "وَهُوَ الّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مّتَرَاكِباً" [الأنعام:99], وقوله: "وَأَنزَلَ مِنَ السّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثّمَرَاتِ رِزْقاً لّكُمْ" [البقرة:22], وقوله تعالى: "أَلاّ يَسْجُدُواْ للّهِ الّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ" [النمل:25], وقوله تعالى: "سَبّحِ اسْمَ رَبّكَ الأعْلَىَ. الّذِي خَلَقَ فَسَوّىَ. وَالّذِي قَدّرَ فَهَدَىَ. وَالّذِيَ أَخْرَجَ الْمَرْعَىَ. فَجَعَلَهُ غُثَآءً أَحْوَىَ" [الأعلى: 1-5], وبهذا يؤدي فعل (الإخراج) وظيفة فعل (الإنبات) في مثل قوله تعالى: "وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ السّمَآءِ مَآءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ" [النمل: 60], وقوله تعالى: "وَنَزّلْنَا مِنَ السّمَآءِ مَآءً مّبَارَكاً فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنّاتٍ وَحَبّ الْحَصِيدِ" [ق:9], وقوله تعالى: "وَأَنزَلْنَا مِنَ السّمَآءِ مَآءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلّ زَوْجٍ كَرِيمٍ" [لقمان: 10], وقوله تعالى: "يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ الزّرْعَ وَالزّيْتُونَ وَالنّخِيلَ وَالأعْنَابَ وَمِن كُلّ الثّمَرَاتِ" النحل 11, ويشترك الإنسان مع بقية الأحياء في الأصل الميت وهو الطين أو مكوناته؛ الماء أو التراب, ولذا يوحدهما القرآن في الأصل في قوله تعالى: "وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلّ شَيْءٍ حَيّ" [الأنبياء:30], وقد يمد التعبير النقلة لتبلغ الأصل الأول لمزيد من بيان الاقتدار والعظمة كما في قوله تعالى: "وَهُوَ الّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَآءِ بَشَراً" [الفرقان:54], قال الألوسي: "المراد بالماء الماء المعروف وتعريفه للجنس"(20)، ولبيان الاقتدار في نشأة الحيوان دون بقية الأحياء التي تتناسل بطرق غير المني يقصر القرآن دلالة لفظ الماء على المني بإيراده بالتنكير الدال على التعدد بياناً للعلم بتميز كل حيوان بمني يخصه؛ في قوله تعالى: "وَاللّهُ خَلَقَ كُلّ دَآبّةٍ مّن مّآءٍ" [النور:45], قال السيوطي: قوله: "وَاللّهُ خَلَقَ كُلّ دَآبّةٍ مّن مّآءٍ" أي كل نوع من أنواع الدواب من نوع من أنواع الماء وكل فرد من أفراد الدواب من فرد من أفراد النطف (21)، وقد بلغ التماثل في تعبير القرآن بين الإنسان والنبات في الأصل الأول إلى حد وصف نشأة الإنسان بفعلي (الإنبات) و(الإخراج) كما لو كان نباتاً حقيقةً في قوله تعالى: "وَاللّهُ أَنبَتَكُمْ مّنَ الأرْضِ نَبَاتاً. ثُمّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً" [نوح: 17و18], ولذا بياناً لوحدة الأصل الميت من الطين أو مكوناته الأصلية وتماثل الإنشاء جعل القرآن إنشاء النبات مثالاً لبعث الإنسان حياً يوم قيامة الأموات كما في قوله تعالى: "وَالّذِي نَزّلَ مِنَ السّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مّيْتاً كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ" [الزحرف:11], وقوله: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنّكَ تَرَى الأرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ اهْتَزّتْ وَرَبَتْ إِنّ الّذِيَ أَحْيَاهَا لَمُحْىِ الْمَوْتَىَ إِنّهُ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" [فصلت:39], وقوله: "يُخْرِجُ الْحَيّ مِنَ الْمَيّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيّتَ مِنَ الْحَيّ وَيُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ" [الروم:19], وفي قوله تعالى: "وَهُوَ الّذِي يُرْسِلُ الرّيَاحَ بُشْرىً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتّىَ إِذَآ أَقَلّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مّيّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلّ الثّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَىَ لَعَلّكُمْ تَذَكّرُونَ" [الأعراف:57]؛ تلاحظ أن فعل (الإخراج) يتضمن تمثيل الإنسان بالنبات ويعبر عن نشأة كلٍّ منهما ويجعله نظيراً للثمرات, وتلمس تشبيه وليد الإنسان والحيوان الولود مع الثمرات في قوله تعالى: "وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىَ وَلاَ تَضَعُ إِلاّ بِعِلْمِهِ" [فصلت:47], بينما لا تجد أي من تلك الأوصاف المميزة للإنسان منسوباً للمني.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ١٢٣٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ١٢٣٢