تعالى: "يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصّلْبِ وَالتّرَآئِبِ" يبين موضع خروج عضو انتاج الذرية قبل هجرته لمستقره في الجنسين, والخروج من بينهما يجعل الظهور أو الأصلاب موضع نشأة الذرية واجتماع أصولها الخلوية, وهو ما صرح به قوله تعالى: "وَإِذْ أَخَذَ رَبّكَ مِن بَنِيَ آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرّيّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىَ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بَلَىَ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنّا كُنّا عَنْ هََذَا غَافِلِينَ" [الأعراف: 172], وهذا يدفع وهم عود ضمير (يخرج) إلى الماء وينسبه للإنسان, والمفسرون يجعلون أخذ الذرية لأفراد جنس الإنسان بمعنى إخراجهم للدنيا مفطورين على الإيمان, قال القرطبي: "قوله تعالى: "وَإِذْ أَخَذَ رَبّكَ مِن بَنِيَ آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرّيّتَهُمْ".. (وفي قراءة ذرياتهم)؛ قال قوم معنى الآية أن الله تعالى أخرج من ظهور بني آدم بعضهم من بعض قالوا, ومعنى "وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىَ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ" دلهم بخلقه على توحيده, لأن كل بالغ يعلم ضرورة أن له ربا واحدا, "أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ" أي قال, فقام ذلك مقام الإشهاد عليهم والإقرار منهم (أي فطرهم على الإيمان والطاعة), كما قال تعالى في السماوات والأرض: "قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ" [فصلت: 11] (3)، وقال الألوسي: "أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ" قيل هو ما نصب لهم من الحجج العقلية والسمعية الآمرة بعبادة الله تعالى الزاجرة عن عبادة غيره عز وجل فكأنه استعارة لإقامة البراهين" (4). , وقال ابن الجوزي: "وجماعة أهل العلم.. من أنه استنطق الذر وركب فيهم عقولا وأفهاما عرفوا بها ما عرض عليهم, وقد ذكر بعضهم أن معنى أخذ الذرية إخراجهم إلى الدنيا بعد كونهم نطفا ومعنى إشهادهم على أنفسهم اضطرارهم إلى العلم بأنه خالقهم بما أظهر لهم من الآيات والبراهين ولما عرفوا ذلك ودعاهم كل ما يرون ويشاهدون إلى التصديق كانوا بمنزلة الشاهدين والمشهدين على أنفسهم بصحته, كما قال: "شَاهِدِينَ عَلَىَ أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ" [التوبة: 17], يريدهم بمنزلة الشاهدين وإن لم يقولوا نحن كفرة, كما يقول الرجل قد شهدت جوارحي بصدقك أي قد عرفته, ومن هذا الباب قوله: "شَهِدَ اللّهُ" [آل عمران: 18], أي بين وأعلم (5). وقال الواحدي: "أخرج الله تعالى ذريه آدم بعضهم من ظهور بعض على نحو ما يتوالد الأبناء من الأباء (6)، وقال البغوي: "فلا تقوم الساعة حتى تولد كل ذريتهم" (7). وفي التبيان في تفسير غريب القرآن: "الذرية أولاد وأولاد الأولاد, قال بعض النحويين ذرية تقديرها فعلية من الذر" (8)، قال القرطبي: ذكر بعض أهل اللغة أن الذر أن يضرب الرجل بيده على الأرض فما علق بها من التراب فهو الذر, وكذا قال إبن عباس إذا وضعت يدك على الأرض ورفعتها فكل واحد مما لزق به من التراب ذرة (9). وقال: "قوله تعالى: "إِنّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرّةٍ" [النساء:40], أي لا يبخسهم ولا ينقصهم من ثواب عملهم وزن ذرة بل يجازيهم بها ويثيبهم عليها, والمراد من الكلام أن الله تعالى لا يظلم قليلا ولا كثيرا, كما قال تعالى "إِنّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئاً" [يونس: 44], والذرة النملة الحمراء عن ابن عباس وغيره وهي أصغر النمل, وعنه أيضا رأس النملة, وقال يزيد بن هارون زعموا أن الذرة ليس لها وزن.., قلت والقرآن والسنة يدلان على أن للذرة وزنا.., وقيل الذرة الخردلة, كما قال تعالى: "وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبّةٍ مّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىَ بِنَا حَاسِبِينَ" [الأنبياء: 47], وقيل غير هذا, وهي في الجملة عبارة عن أقل الأشياء وأصغرها" (10)، وقال ابن الجوزي: "قوله تعالى "وَآيَةٌ لّهُمْ أَنّا حَمَلْنَا ذُرّيّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ. وَخَلَقْنَا لَهُمْ مّن مّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ" [يس: 41و42], قال المفسرون أراد في سفينة نوح فنسب الذرية (وفي قراءة ذرياتهم) إلى المخاطبين لأنهم من جنسهم, كأنه قال ذرية الناس, وقال الفراء أي ذرية من هو منهم فجعلها ذرية لهم وقد سبقتهم, وقال غيره هو حمل الأنبياء في أصلاب الآباء حين ركبوا السفينة (11) , وفي قوله تعالى: "وَحَلَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَلابِكُمْ" [النساء: 23]؛ قال ابن كثير: "أي وحرمت عليكم زوجات أبنائكم الذين ولدتموهم من أصلابكم، يحترز بذلك عن الأدعياء الذين كانوا يتبنونهم في الجاهلية" (12). وقال الأصفهاني: "تَنْبيهٌ أنّ الوَلدَ جُزْءٌ مِنَ الأب" (13)، قال تعالى: "ذُرّيّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ" [آل عمران:34], وقال تعالى: "بَعْضُكُم مّن بَعْضٍ" [آل عمران: 195], قال ابن الجوزي: "أخرج بعضهم من ظهور بعض" (14)، وفي تفسير الجلالين: "نسلا بعد نسل" (15)، والاستدلال إذاً على بعث الإنسان بأصل خلقه
المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ١٢٣١
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ١٢٣١
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي