"يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصّلْبِ وَالتّرَآئِبِ" الضمير عائد على ماء دافق وهو المتبادر.. أي يمر ذلك الماء بعد أن يفرز من بين صلب الرجل وترائبه, وبهذا قال سفيان والحسن.. (ولكن المراد) أن أصل تكون ذلك الماء وتنقله من بين الصلب والترائب, وليس المعنى أنه يمر بين الصلب والترائب إذ لا يتصور ممر بين الصلب والترائب لأن الذي بينهما هو ما يحويه باطن الصدر والضلوع من قلب ورئتين.., ولا شك أن النسل يتكون من الرجل والمرأة فيتكون من ماء الرجل وهو سائل فيه أجسام صغيرة تسمى في الطب الحيوانات المنوية.. مقرها الأنثيان وهما الخصيتان.. ومن ماء هو للمرأة كالمني للرجل.. وهو بويضات دقيقة.. يشتمل عليها مبيضان للمرأة وهما بمنزلة الأنثيين للرجل فهما غدتان تكونان في جانبي رحم المرأة, (و) الحبل المنوي.. ينتهي إلى الأنثيين وهما الغدتان اللذان تفرزان المني.., وهذا من الإعجاز العلمي في القرآن الذي لم يكن علم به للذين نزل بينهم" (26)، وقال سيد قطب: "فلينظر الإنسان من أي شيء خلق وإلى أي شيء صار. . إنه خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب، خلق من هذا الماء الذي يجتمع من صلب الرجل وهو عظام ظهره الفقارية ومن ترائب المرأة وهي عظام صدرها.. ولقد كان هذا سرا مكنونا في علم الله لا يعلمه البشر حتى كان نصف القرن الأخير حيث اطلع العلم الحديث على هذه الحقيقة بطريقته؛ وعرف أنه في عظام الظهر الفقارية يتكون ماء الرجل، وفي عظام الصدر العلوية يتكون ماء المرأة حيث يلتقيان في قرار مكين فينشأ منهما الإنسان! والمسافة الهائلة بين المنشأ والمصير. . بين الماء الدافق الذي يخرج من بين الصلب والترائب وبين الإنسان المدرك العاقل المعقد التركيب العضوي والعصبي والعقلي والنفسي. . هذه المسافة الهائلة التي يعبرها الماء الدافق" (27).
وذكر الدكتور محمد وصفي في كتاب "القرآن والطب" أنه نقل ما كتبه في مجلة "هدى الإسلام" عام 1354هـ (1936م) فقال: "الماء الدافق هو السائل المنوي الذي يحتوي على الحيوانات المنوية الحية, وسمي دافقاً لأنه يصب.. بوساطة الانقباضات الخاصة التي تدفع بها القناة الناقلة والحويصلة المنوية هذا السائل.., وهو قوله تعالى: "أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مّن مّنِيّ يُمْنَىَ" [القيامة: 37], ويقول القاموس المحيط دفقه ويدفقه صبه, وهذا ما يجعل الماء الدافق خاصاً بالذكر وحده دون الأنثى, إذ ليس للمرأة ماء يصب ويتدفق بشدة كماء الرجل, بل إن ماء المرأة إفراز يسيل لمجرد تليين الجهاز التناسلي وترطيبه, مثل سيلان اللعاب والعرق, وبذلك يكون قوله تعالى: "يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصّلْبِ وَالتّرَآئِبِ" أي يخرج من بين صلب الرجل وترائبه ولا دخل هنا لصلب المرأة وترائبها مطلقاً.., والصلب هو السلسلة الفقرية.. والترائب هي عظام الصدر.., (و) النطفة.. تتكون حقيقةً في القناة المنوية في الأنثيين (الخصيتين) ولا تتكون في الصلب ولا تتكون كذلك من الترائب, فقوله تعالى: "يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصّلْبِ وَالتّرَآئِبِ" ليس معناه أنه يخرج منهما ولكن معناه أنه يخرج بينهما, أي يخرج من مكان يقع بينهما, وهذا من عظيم أسرار الإسلام في الطب.., (و) في الذكر والأنثى.. مكان الغدة التناسلية يكون في أول الأمر في الفراغ البطني.. (و) يقع تماماً بين الصلب والترائب.., فالآية الكريمة ترشدنا بذلك إلى أصل تكوين الغدة التناسلية في الإنسان وتدلنا على مكان وجودها الأولي فيه.. (و) يخرج باعتبار نشأته الأولى وأصل وجوده في الجنين" (28).