ويقول الشيخ عبد الوهاب خلاف: «.. وإن الطوفي الذي يحتج بالمصلحة المرسلة إطلاقًا فيما لا نص فيه وفيما فيه نص فتح بابًا للقضاء على النصوص، وجعل حكم النص أو الإجماع عرضة للنسخ بالرأي؛ لأن اعتبار المصلحة ما هو إلا مجرد رأي وتقدير، وربما قدر العقل مصلحة بالرويَّة والبحث يقدرها مفسدة. فتعريض النصوص لنسخ أحكامها بالآراء، وتقدير العقول خطر على الشرائع الإلهية وعلى كل القوانين». (84)
شذوذ بعض المعاصرين :
ومع وضوح خطأ (الطوفي) فقد تَمَسَّك برأيه بعض المعاصرين، وألبسوا به العلمانية ثوبًا إسلاميًّا، فجعلوا العبادات وحدها هي الثابتة في الإسلام التي يلتزم فيها بالنصوص، أما في غير دائرة العبادات فالباب مفتوح على مصراعيه لتعديل النصوص وتغييرها، وحذفها وإضافة غيرها..
يقول الدكتور (النويهي) في مقالة بعنوان: (نحو ثورة الفكر الديني): (85)
«إن كل التشريعات التي تخص أمور المعاش الدنيوي والعلاقات الاجتماعية بين الناس والتي يحتويها القرآن والسنة لم يقصد بها الدوام وعدم التغير، ولم تكن إلا حلولا مؤقتة، احتاج لها المسلمون الأوائل وكانت صالحة وكافية لزمانهم، فليست بالضرورة ملزمة لنا، ومن حقِّنَا بل من واجبنا أن نُدْخِلَ عليها من الإضافة والحذف والتعديل والتغيير ما نعتقد أن تغير الأحوال يستلزمه».
ويضيف هؤلاء المعاصرون تأييدًا لرأيهم في تغير الأحكام الثابتة بالنص تبعًا لتغير المصالح بتغير الزمان حججًا جديدة؛ منها: اجتهادات عمر بن الخطاب، التي يرون أنه لم يتمسك فيها بالتطبيق الحرفي للنصوص، ومنها استبدال الشافعي لمذهبه العراقي القديم بمذهبه المصري الجديد. (86)
ونتناول هذه الحجج فيما يلي:
اجتهادات عمر بن الخطاب :
يقال: إن عمر بن الخطاب لم يلتزم بحرفية النصوص في عدد من اجتهاداته، وفيما يلي اثنان من أشهرها:
1-«اجتهاد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في قطع العطاء الذي جعله القرآن الكريم للمؤلَّفة قلوبهم كان في مقدمة الأحكام التي قال بها عمر تبعًا لتغير المصلحة بتغير الأزمان، رغم أن النص القرآني لا يزال ثابتًا». (86)
ويقول النويهي عن ذلك:
«فأي شيء هذا إن لم يكن إلغاء تشريع قرآني؛ حين اعتقد أن الظروف المتغيرة لم تعد تجيزه؟ لكن هل يجرؤ علماؤنا وكتابنا على مواجهة هذه الحقيقة الصريحة؟». (87)
ولكن هل صحيح أن عمر في هذه القضية غَيَّر حكمًا ثابتًا بالقرآن؟ إن سؤالا واحدًا كفيل بوضع هذه القضية في موضعها الصحيح، وهو هل كان يوجد مؤلفة قلوبهم في عهد عمر أم لا؟
فمن المعلوم أن مصارف الزكاة محدودة لأصناف ثمانية معروفة أوصافهم، فإذا لم يوجد صنف منهم في أي عصر من العصور، مثل عدم وجود صنف (في الرقاب) في هذا العصر، فكل ما يمكن أي يقال أن مصرفًا من مصارف الزكاة موقوف حتى يوجد مَنْ يستحقه، فكل ما فعله عمر -رضي الله عنه- هو أنه حكم بعدم وجود صنف المؤلفة قلوبهم في عصره، وليس ذلك إلغاء لتشريع قرآني، وليس فيه تغيير لحكم ثابت بالقرآن لتغير الزمان، فإذ وجد المؤلفة قلوبهم في أي عصر أعطوا، وإذا لم يوجدوا لم يعطوا».(88)
2- «اجتهاد عمر -رضي الله عنه- عام المجاعة في وقف تنفيذ حد السرقة على السارقين وهو قطع اليد.. وفي هذا تغيير لحكم السرقة الثابت بنص القرآن عملا بتغير الظروف التي أحاطت بالسرقة». (89)
ولكن من الواضح أن عمر هنا إنما درأ الحد بالشبهة، ودرأ الحدود بالشبهات أمر مشروع، وروى عن غير واحد من الصحابة. (90)
ويقول ابن القيم عن ذلك: «فإن السَّنَة إذا كانت سنة مجاعة وشدة غَلَبَ على الناس الحاجة والضرورة، فلا يكاد يسلم السارق من ضرورة تدعوه إلى ما يسد به رَمَقَه، وهذه شبهة قوية تدرأ القطع عن المحتاج، وهي أقوى من كثير من الشُّبَهِ التي ذكرها كثير من الفقهاء». (91)
فليس في اجتهاد عمر تغيير للنص الثابت بالقرآن استجابة للظروف.
فقه الشافعي القديم والجديد:
ومن الأمثلة التي تساق لتغير الأحكام بتغير الظروف ما ثبت من تغير فقه الشافعي القديم حين كان بالعراق إلى فقهه الجديد حين انتقل إلى مصر. (92) وتغير فقه الشافعي من القديم إلى الجديد أمر ثابت، أما تعليل هذا التغير بتغير الظروف فهو يحتاج إلى نظر؛ فمن المعلوم أن الشافعي قد جمع فقهه في كتبه، وهو قد ألف أكثر هذه الكتب في القديم، ثم حين أعاد تأليفها في الجديد كان يأمر بتمزيق الأولى التي حَوَتْ اجتهاداته القديمة والتي تغير رأيه فيها (93)، وفوق ذلك فقد روى البيهقي عنه أنه كان يقول: «لا أجعل في حل من روى عني كتابي البغدادي» وكتابه البغدادي هو المشتمل على مذهبه القديم (94)، فلماذا هذا التشدد في نسخ آرائه القديمة وسعيه لإماتتها؟