تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

« من المقرر في فقه الشريعة أن لتغير الأوضاع والأحوال الزمنية تأثيرًا كبيرًا في كثير من الأحكام الشرعية الاجتهادية، وعلى هذا الأساس أسست القاعدة الفقهية القائلة: لا ينكر تغير الأحكام بتغير الزمان. وقد اتفقت كلمة فقهاء المذاهب على أن الأحكام التي تتبدل بتبدل الزمان واختلاف الناس هي الأحكام الاجتهادية من قياسية ومصلحية، وهي المعنية بالقاعدة الآنفة الذِّكر، أما الأحكام الأساسية التي جاءت الشريعة لتأسيسها وتوطيدها بنصوصها الأصلية فهذه لا تتبدل بتبدل الأزمان؛ بل هي الأصول التي جاءت بها الشريعة لإصلاح الأزمان والأجيال». (74)

أثر العرف في تغير الأحكام :

ويزيد الإمام الشاطبي أحد علماء أصول الفقه المتمكنين مسألة تأثير العرف تغير الأحكام شرحًا وتوضيحًا؛ فيبيِّن أن العادات والأعراف المتبدلة هي الأعراف التي لم تنشئها الشريعة أصلا، ولم تتعرَّض لها إطلاقًا، لا بمدح ولا ذم، إنما أنشأها الناس بأنفسهم نتيجة العلاقات الاجتماعية بينهم، فهذه هي التي يؤثر تغيرها في أحكامها الشرعية فيتغير حكمها تبعًا لتغيرها. وضرب بعض الأمثلة على ذلك؛ منها على سبيل المثال: العبارات التي يكون لها تأثير في إنشاء أو إنهاء عقود المعاملات المالية، مثل البيع أو ألفاظ الطلاق، فهذه يراعى فيها العبارات التي يعتادها الناس والاصطلاحات التي يستعملونها في كل عصر. ومن الأمثلة أيضًا للعوائد التي تتغير لها، ويكون لها تأثير العادات الخاصة بالزواج مثلا، فهذه قد تختلف من عصر إلى عصر، أو من بلد إلى بلد، فإذا كانت العادة مثلا أن يدفع المهر كاملا قبل الزواج أو الهدايا التي تدفع للعروس تكون من ضمن المهر، فلهذه العادات تأثير في الأحكام الشرعية.

أما العادات والأعراف التي تنشئها الشريعة، وتعتبرها من المحاسن أو تذمها وتعدها من القبائح، فهذه لا تتبدل ولا تتغير بل هي ثابتة، وفيما يلي عبارة الإمام الشاطبي التي شرح فيها هذه القضية (75) :

يقول: «العوائد المستمرة ضربان؛ أحدهما: العوائد الشرعية التي أقرها الدليل الشرعي أو نفاها، ومعنى ذلك أن يكون الشرع أمر بها إيجابًا أو نَدْبًا، أو نهي عنها كراهة أو تحريمًا، أو أذن بها فِعْلا وتَرْكًا. فالثانية: هي العوائد الجارية بين الْخَلْق بما ليس في نفيه وإثباته دليل شرعي.

فأما الأول: فثابت أبدًا كسائر الأمور الشرعية.. فهي إما حسنة عند الشارع أو قبيحة.. فلا تبديل لها.. فلا يصح أن ينقلب الْحَسَن فيها قبيحًا ولا القبيح حَسَنًا.. إذْ لو صَحَّ مثل هذا لكان نَسْخًا للأحكام المستقرة المستمرة، والنسخ بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم باطل.. فرفع العوائد الشرعية باطل».

أما الثانية: فهي عند الشاطبي المتبدلة، ثم ضرب لها أمثلة سقناها.

رأي الطوفي في أثر المصلحة في تغير الأحكام :

أسلفنا القول أن الحكم الذي جاء به نص حكم ثابت لا يتغير؛ لأن المصلحة التي يحققها مصلحة ثابتة لا تتغير، وقد ظل هذا هو الرأي السائد الوحيد بين الدوائر العلمية، لا يشذ عنه فقيه، ولا يعرف أحد رأيًا غيره، حتى نشرت مجلة (المنار) في أوائل هذا القرن رأيًا مهجورًا لأحد فقهاء القرن السابع الهجري، وهو (نجم الدين الطوفي) ذكرت المجلة أن تحدث عن المصلحة بما لم تَرَ مثله لغيره من الفقهاء (76)، فمن هو الطوفي هذا؟ ما رأيه الذي شَذَّ به عن بقية الفقهاء؟

تذكر المصادر التي ترجمت لحياة (الطوفي) أنه كان من الفقهاء الحنابلة، وتصفه بالعلم والصَّلاح والفَضْل، ولكن هذه المصادر ذاتها تلقي ظلاله على منهجه في التفكير، وتتهمه بالتشييع والرفض وسَبِّ الصحابة، وتجعل ذلك سببا للثائرة التي ثارت عليه حين كان في القاهرة، ومنها نُفِيَ إلى بلدة صغيرة. وإذا كان البعض يشكك في صحة ما اتهم به ويبرئ ساحته، إلا أن كل الكتابات قديمًا وحديثًا تتفق على أن رأيه في المصلحة رأيًا شاذًّا، لم يعرف قبله ولم يتابعه فيه أحد بعده إلا بعض المعاصرين (77)، وقد يكون الشذوذ وحده ليس عيبًا وإن كان في الغالب دليل الخطأ، فهل كان رأي الطوفي في المصلحة مع كل تلك الظلال القاتمة في حياته ومع ذلك الشذوذ رأيًا صائبًا، أم كان رأيًا لا وزن له؟

أوضح الطوفي رأيه في المصلحة في ثنايا شرحه لأحد الأحاديث الأربعينية وهو حديث «لا ضر ولا ضرار» (78)، وخلاصة رأيه أن المصلحة أقوى مصادر التشريع، بل هي أقوى من النص والإجماع، وأنه في غير دائرة العبادات والمقدرات فإن المصلحة تقوم على النص والإجماع إذا عارضتهما.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ١٠٣٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ١٠٣٢