«.. نعم لا جرم أنه لا كهنوتية في الإسلام، ولكن هل يعلم هؤلاء أن اليوم ما معنى ذلك؟ إنما معناه أن الإسلام ليس كاليهودية؛ حتى ينحصر فيه علم الشريعة والقيام على الخدمات الدينية في وسط من الأوساط، أو قبيلة من القبائل ولم يفرق فيه - كما في المسيحية - بين الدين والدنيا للقياصرة، ويكون الدين للرهبان والأحبار، ولا ريب – كذلك – أن لا اختصاص لأحد بتفسير القرآن والسنة والشريعة، وأنه لا ينحصر العلماء في سلالة أو أسرة معينة من الأسر، فلا يكون إلا لأفرداها يتوارثونه كابرًا عن كابر، ولهم وحدهم أن يتحدثوا باسم الدين، ويجتهدوا في تعاليمه دون سائر المسلمين، فكما أنه من الممكن لكل أحد مِنَ الناس أن يكون محاميًا إذا درس القانون، أو مهندسًا إذا درس الهندسة، أو طبيبًا إذا درس الطب فكذلك يجوز في الإسلام لكل فرد من أفراد المسلمين إذا درس القرآن والسنة، وصرف جانبًا من أوقاته وجهوده في تلقي علمها أن يتكلم في مسائل الشريعة... وهذا هو المعنى الصحيح المعقول؛ أن يكون هناك معنى لانعدام الكهنوتية في الإسلام».
« ليس معناه أن الإسلام كالألعوبة في أيدي الأطفال، يجوز لكل مَنْ شاء للناس أن يعبث بأحكامه وتعاليمه، ويصدر فيها آراءه، كما هو الشأن في أقضية أعلام المجتهدين وفتاواهم، ولو لم يكن قد بذل أدنى سعي في فهم القرآن والسنة والتبصر فيهما، وإذا لم يكن مقبولا ولا معقولا أن يدعي المرء أنه مرجع في أمر من أمور الدنيا من غير علم به، فما بالنا إذن نقبل في أمر الدين هؤلاء القوم الذين يتكلمون فيه من غير معرفة بأصوله ومبادئه». (99)
نقد فقه العصرانية
أنتجت آراء العصرانية الأصولية وموقفها من الحديث وموقفها من التفسير فقهًا متميزًا، يهدف في معظمه إلى تبرير الواقع المعاصر، وإدخال كثير من القيم الغربية في صُلْبِ الإسلام. وقد مرت بنا أمثلة كثيرة من هذا الفقه في الفصلين الثاني والثالث. ولا يتسع المقام هنا لنقد كل تلك المسائل التفصيلية من هذا الفقه، ولكننا نعرض هنا بعض آراء المعاصرة عن بعض المسائل التي تشغل بال (العصراينة) في مجال المرأة والحدود والجهاد، وتعرضها مِنْ وجهة نظر مدرسة التجديد السُّنِّي المعاصرة، وبأحد أقلامها المشهورة؛ قلم المودودي.
حدود نشاط النساء في الدولة الإسلامية
ليس للدولة الإسلامية أن تعمل شيئًا في أمر من أمور الدنيا بالعدول عن مبادئ الإسلام وأحكامه، وليس لها أن تفكر في ذلك إذا كان القائمون بأمرها أناسًا يؤمنون بالإسلام، ويتبعون مبادئه وأحكامه عن صادق العزيمة وخالص النية. ومن أحكام الإسلام فيما يتعلق بأمر النساء أن المرأة تساوي الرجل في الكرامة والشرف والاحترام، كما لا فرق بينهما باعتبار المستوي الخلقي، ولا باعتبار الأجر والمثوبة في الآخرة، ولكن ليس لنشاطهما دائرة واحدة؛ فالسياسية وإدارة الحكومة والخدمات العسكرية وما إليها من الأعمال لا علاقة لها إلا بالرجل، ولن يكون من نتيجة إقحام المرأة في هذه المجالات سوى أن تنهار حياتنا العائلية بمعنى الكلمة، وهي حياة تتحمل معظم تبعاتها المرأة، أو أن نحملها أثقالا مضاعفة؛ حيث أنها تقوم بواجباتها الفطرية – وهي واجبات لا قِبَل للرجل بمشاركتها فيها أبدًا – مع تحملها شطر واجبات الرجل. أيضا، وبما أن ليست الصورة المؤخرة الذِّكْر بميسورة فعلا، فلا بُدَّ أن تواجهنا الصورة المقدَّمة الذكر، وهي التي قد واجهها الغرب في إقحام المرأة في دائرة نشاط الرجل، فليس مِنَ العقل في شيء أن نحاكي غيرنا في سفاسف الأمور.