تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يقول الشاطبي –رحمه الله -: ( ولما منعت العرب الزكاة عزم أبو بكر على قتالهم، فكلمه عمر في ذلك، فلم يلتفت إلى وجه المصلحة في ترك القتال، إذ وجد النص الشرعي المقتضي لخلافة، وسألوه في رد أسامة ليستعين به وبمن معه على قتال أهل الردة، فأبى لصحة الدليل عنده بمنع رد ما أنفذه رسول الله صلى الله عليه وسلم ) (63).

وفي هذه القصة دلالة واضحة وقوية على أن المصلحة المقابلة للنص، لا عبرة بها حتى وإن كانت من كبار المجتهدين (64).

6 – مما يريد به على الدكتور عبدالمنعم النمر في قوله بجواز الاجتهاد فيما اجتهد فيه الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن التغيير ممكن، بل قد يكون لازمًا تقتضيه المصلحة. أن يقال ما المصلحة هنا؟ هل هي المصلحة التي أرادها الشارع؟ أم المصلحة التي تتبع هوى الناس .

ونظن أنه لا يقول بغير الأولى، وعلى ذلك فالمصلحة فيما قرره الرسول صلى الله عليه وسلم، الذي لا ينطق عن الهوى أما غيره فليس معصومًا من النقص والتقصير مهما ادعى القدرة على الاجتهاد، والدليل على ذلك ما يذكر الدكتور علي محيي الدين داغي عند رده على النمر بقوله: (إن الدكتور النمر قد تولى هو واثنان من شيوخ الأزهر تقنين قانون الأحوال الشخصية رقم (40) لسنة (1979) الذي راعى المصلحة التي تريدها الدولة، فقيد الزواج بالثانية برضا الزوجة الأولى، وأعطى المسكن للزوجة، فترتب على ذلك مشاكل ومظالم لا قبل للمحاكم بها، ولم يطقها الشعب المصري المتدين بفطرته، فرفضوها رفضًا باتًا مما أدىل إلى إلغائه بعد عمر قصير، وقد اعترف الشيخ النمر على صفحات جريدة الأهرام بأنه كان مخطئًا في أكثر بنود هذا القانون (273) .

وهذا دليل عملي وتجريبي للشيخ نفسه بأن المصلحة إن أعطينا معيارها للناس فلا تنضبط، ولذلك فالتشريع في نظر الإسلام من حق الله تعالى ورسوله فقط والمصلحة هي التي أقرتها الشريعة، ولذلك إذا وجد نص صحيح صريح فلا يجوز لأحد مهما كان أن يعارضه...) (65) .

وفي نهاية هذا الفصل نخلص إلى أن أصحاب هذا الاتجاه قد جعلوا الاجتهاد هو المعبر الذي يصلون عن طريقه إلى كل ما يطيب لهم، تحت مسوغ شرعي – في نظرهم – يبررون به منهجهم العقلي الذي خالفوا فيه القواعد التي قررها أهل العلم، ومنها: مجال الاجتهاد، فلا يكون الاجتهاد فيما فيه دليل قاطع، وإنما يكون فيما كان الدليل فيه ظني، أو ما لا نص فيه من كتاب أو سنة، أما عند العقلانيين فلا التزام بهذه الضابط، ويمكن أن يكون الاجتهاد في الأصول والثوابت، ولذلك يرون أن الاجتهاد العقلي يمكن أن يعيد دراسة وتفسير المبادئ التشريعية كما يقول محمد إقبال: (والرأي عندي هو أن ما ينادي به الجيل الحاضر من أحرار الفكر في الإسلام من تفسير أصول المبادئ التشريعية تفسيرًا جديدًا على ضوء تجاربهم، وعلى هدى ما تقلب على حياة العصر من أحوال متغايرة .

هو رأي له ما يسوغه كل التسويغ، كما أن حكم القرآن على الوجود بأنه خلق يزداد ويترقى بالتدريج، يقتضي أن يكون لكل جيل الحق في أن يهتدي بما يورثه من آثار أسلافه، من غير أن يعوقه ذلك التراث في تفكيره وحكمه، وحل مشكلاته الخاصة) (66).

وعند محمد عمارة يمكن أن يكون الاجتهاد في النصوص القطعية كما مر، والباعث على ذلك هو تحقيق المصلحة، وكأنه لا يعلم (أن ليس من المصلحة في شيء على الإطلاق ما خالف دليلاً من الكتاب والسنة، أو عارض قاعدة محكمة من قواعد الشريعة .

ولا يصح على الإطلاق أن يكون المعيار في تحديد المصالح موافقتها لأهواء الناس وشهواتهم، أو مراعاتهم لعاداتهم وأعرافهم إذا كانت تخالف شرع الله) (67).

ومن المخالفات الظاهرة عند محمد عمارة التي يخالف فيها ضوابط الاجتهاد هي في من يرى أن لهم حق الاجتهاد، وهم من يسميهم أهل الاختصاص في فكرنا الإسلامي، والمقصود بهم أشمل وأعم من أن يكونوا علماء الشريعة، وعنده أن كل مفكر له حق الاجتهاد، دون أن يكون بالضرورة دارسًا لعلوم الشريعة (68).

( المرجع : الاتجاه العقلاني لدى المفكرين الإسلاميين المعاصرين ، سعيد الزهراني ، 2/649-658).

الشبهة(4) : الثابت والمتغير في الإسلام

من مبادئ (العصرانية) تقسيم الدين إلى ثوابت ومتغيرات، وقد تناول مفكروها هذه القضية بالبحث في المسيحية واليهودية (69) والإسلام (70). ويشرح الدكتور معروف الدواليبي هذا المبدأ في مقال له بعنوان: « النصوص وتغير الأحكام بتغيير الزمان» فيقول:

« إذا كان النسخ لا يصح إلا مِنْ قِبَل الشارع نفسه فهل يصح في الاجتهاد تغير ما لم ينسخه الشارع من الأحكام، وذلك تبعًا لتغير الأزمان؟

1- إن جميع الشرائع من قديمة وحديثة قد أخذت بمبدأ جواز النسخ لِمَا في الشريعة من بعض الأحكام، تبعًا لتغير المصلحة في الأزمان، غير أنها لم تأخذ بمبدأ السماح للمجتهدين بتغير حكم من الأحكام ما دام ذلك الحكم باقيًا في الشريعة، ولم ينسخ مِنْ قِبَل مَنْ له سلطة الاشتراع.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام · الصفحة ١٠٣١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلامص ١٠٣١