وأجاب الجبائيُّ فقال: ليس المراد من الآية أنَّه تعالى يريد إهلاكهم قبل أن يعصوا ويستحقُّوا ذلك؛ لأنَّه لا يظلم، وهو على الله محالٌ، بل المراد من الإرادة قرب تلك الحالة، فكان التقدير: وإذا قرب وقت إهلاكِ قريةٍ أمرنا مترفيها، ففسقوا فيها، وهو كقول القائل: إذا أراد المريض أن يموت ازدادت أمراضه شدَّة، وإذا أراد التَّجر أن يفتقر أتاه الخسران من كلِّ جهةٍ، وليس المراد أنَّ المريض يريدُ أن يموت على الذُّنوب، والتَّاجر يريد أن يفتقر، وإنَّما يعنون أنه سيصير كذلك؛ فكذا هاهنا.
واعلم أنَّ هذه الوجوه جواب عن الوجه الأوَّل من الوجوه الثلاثة المتقدمة في التمسُّك بهذه الآية، وكلها عدول عن ظاهر اللفظ، وأما الوجه الثاني والثالث فبقي سليمًا عن الطَّعن.
والمراد منه أنَّ الطريق الذي ذكرناه هو عادتنا مع الذين يفسقون، ويتمرَّدون فيما تقدم من القرون الذين كانوا بعد نوح؛ حادٍ وثمود، وغيرهم، ثم إنه - تعالى - خاطب رسوله - صلوات الله عليه - بما يكون خطابًا وردعًا وزجرًا للكُلِّ، فقال جلَّ ذكره: ﴿وكفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًَا بَصِيرًا﴾ وهذا تخويف لكفَّار «مكَّة» .
و«كَمْ» نصب بأهلكنا، و«مِنَ القُرونِ» تمييزٌ ل «كَمْ» و«مِن بَعدِ نُوح»: «مِنْ» لابتداء الغاية، والأولى للبيان، فلذلك اتَّحدَ متعلقهما، وقال الحوفيُّ: «الثانية بدلٌ من الأولى»، وليس كذلك؛ لاختلاف معنييهما، والباء بعد «كَفَى» تقدم الكلام عليها، وقال ابن عطيَّة: «إنما يجاءُ بهذه الباء في موضع مدحٍ أو ذمٍّ» والباء في «بِذنُوب» متعلقة ب «خَبِيرًا» وعلَّقها الحوفيُّ ب «كَفَى» .
قال افراء - رحمه الله -: لو ألغيت الباء؛ من قوله: «بربِّكَ» جاز، وإنما يجوز دخول الباء في المرفوع إذا كان يمدحٌ به أو يذمُّ؛ كقولك: كفاك به، وأكرم به رجلًا، وطاب بطعامك طعامًا، وجاد بثوبك ثوبًا.
أما إذا لم يكن مدحًا أو ذمًّا، لم يجز دخولها، فلا يجوز أن يقال: «قَامَ بِأخيكَ» وأنت تريد: «قَامَ أخُوكَ» .
فصل في مقدار القرن
قال عبد الله بن أبي أوفى: القرنُ: عشرون ومائة سنة، فبعث رسول الله ﷺ َ أوَّل قرنٍ، وكان آخره يزيد بن معاوية، وقيل: مائة سنة.