كما يَتدنَّس بالأقذار المحسوسة في بدنه وثيابه ، ويُطَهِّرُه منها الماءُ الكثير النقيّ ، فكذلك الصلواتُ الخمس تُطهِّرُ العبدَ من أقذارِ الذنوب والخطايا .
وعن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ،قال : سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ : تَدْرُونَ مَنِ الْمُسْلِمُ ؟ قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ، قَالَ : تَدْرُونَ مَنِ الْمُؤْمِنُ ؟ قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : مَنْ أَمِنَهُ الْمُؤْمِنُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ السُّوءَ فَاجْتَنَبَهُ." (1)
لفظ (المسلمون) هنا ، ومثلُه (المؤمنون) في الجملة التالية : لا يُرادُ به الاحترازُ من غيرهم ، بل هو وصفٌ خَرَجَ مخرَج الاتفاق ، نظراً للمخاطَبين به ، إذ الإيذاءُ أو الخِيانَةُ كلٌّ منهما حرامٌ في الإسلام ، سَواء وقع ذلك على مسلم أم ذِمّي .
بل أَرى أنَّ الإيذاءَ أو الخِيانةَ في جَنْبِ الذِّمّي أشدُّ تحريماً ، فعَنْ ثَلاَثِينَ مِنْ أَبْنَاءِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ آبَائِهِمْ دِنْيَةً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ :« أَلاَ مَنْ ظَلَمَ مُعَاهَدًا وَانْتَقَصَهُ وَكَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ». وَأَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بِإِصْبَعِهِ إِلَى صَدْرِهِ :« أَلاَ وَمَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ رِيحَ الْجَنَّةِ وَإِنْ رِيحَهَا لَتُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ سَبْعِينَ خَرِيفًا ». (2)
فقد أقام الرسولُ الكريمُ - صلى الله عليه وسلم - نَفْسَه خَصْماً لمن يَظلِمُ الذِّمّي .
وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: " أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ ؟ (3) " قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ . قَالَ: " إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ
(1) - مسند أحمد (عالم الكتب) - (2 / 686)(6925) صحيح
(2) - السنن الكبرى للبيهقي - حيدر آباد - (9 / 205)(19201) صحيح لغيره
(3) - كذا الرواية (أتدرون ما المفلس) بلفظ (ما) ، والسؤال هنا عن حقيقة المُفلس ، فلذا جا التعبير بلفظة (ما) دون لفظة (مَنْ) . قال السَّنوسِيُّ في (شرحه على صحيح مسلم)) 8 :18 ، عند قوله - صلى الله عليه وسلم - : (أتدرون ما المفلس) : قال القرطبي : كذا الرواية ، وأصلُها يعني لفظة (ما) لما لا يَعقِل ، وهي هنا لمن يَعقِل . قال الأُبيُّ : حكى بعضُهم أنَّ مذهب سيبويه جوازُ وقوعها على من يعقل ، وأخذَه ابن الحاج من قوله في (الكتاب) أي كتاب سيبويه لمّا فرغ من الكلام على (مَنْ) ، قال: ومثلُها (ما) ، مُبْهَمةً تقعُ على كل شي .
قلتُ أي السَّنوسِي : لقائلٍ أن يقول : السؤالُ هنا بما ، إنما هو عن الحقيقة ، والحقيقةُ من حيث هي حقيقة لا تَعقِل ، وهذا كما لو قلتَ : ما الإنسان؟ أو ما زيد؟ أو نحوَ ذلك ، ومنه : (قال فِرْعَونُ : وما رَبُّ العالَمين) . ولم يقل : ومَنْ ، ف (ما) إذاً واقعةٌ في محلِّها)) انتهى . وهو الصواب .
وقد جاء هذا الحديث في بعض الكتبِ الناقلةِ عن ((صحيح مسلم)) مثلِ ((رياض الصالحين)) ، بلفظ (أتدرون من المفلس؟) . وهو خلافُ الرواية كما علمت ، ولعلَّه من تصرُّفاتِ بعضِ الناقلين . والله أعلم .