قَوْله - صلى الله عليه وسلم - : ( إِنَّمَا هَلَكَتْ بَنُو إِسْرَائِيل حِين اِتَّخَذَ هَذِهِ نِسَاؤُهُمْ ) قَالَ الْقَاضِي : قِيلَ : يُحْتَمَل أَنَّهُ كَانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِمْ ، فَعُوقِبُوا بِاسْتِعْمَالِهِ ، وَهَلَكُوا بِسَبَبِهِ . وَقِيلَ : يُحْتَمَل أَنَّ الْهَلَاك كَانَ بِهِ وَبِغَيْرِهِ مِمَّا اِرْتَكَبُوهُ مِنْ الْمَعَاصِي ، فَعِنْد ظُهُور ذَلِكَ فِيهِمْ هَلَكُوا . وَفِيهِ مُعَاقَبَة الْعَامَّة بِظُهُورِ الْمُنْكَر ." (1)
وقد استخدم الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعض أمور الطبيعة للتعليم أيضا ، فعَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ ، قَالَ : قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَبَيْنَا أَنَا فِي حَلْقَةٍ وَفِيهَا مَلَأٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ ، أَخْشَنُ الثِّيَابِ ، أَخْشَنُ الْجَسَدِ ، أَخْشَنُ الْوَجْهِ ، فَقَامَ عَلَيْهِمْ ، فَقَالَ : بَشِّرِ الْكَنَّازِينَ بِرَضْفٍ يُحْمَى عَلَيْهِمْ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ، فَيُوضَعُ عَلَى حَلَمَةِ ثَدْيِ أَحَدِهِمْ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ نُغْضِ كَتِفِهِ ، وَيُوضَعَ عَلَى نُغْضِ كَتِفِهِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ حَلَمَةَ ثَدْيهِ ، فَوَضَعُوا رُؤُوسَهُمْ ، فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ رَجَعَ إِلَيْهِ شَيْئًا ، قَالَ : وَأَدْبَرَ ، فَاتَّبَعْتُهُ حَتَّى جَلَسَ إِلَى سَارِيَةٍ ، فَقُلْتُ : مَا رَأَيْتُ هَؤُلاَءِ إِلاَّ كَرِهُوا مَا قُلْتَ لَهُمْ ، قَالَ : إِنَّ هَؤُلاَءِ لاَ يَعْقِلُونَ ، إِنَّ خَلِيلِي أَبَا الْقَاسِمِ - صلى الله عليه وسلم - دَعَانِي ، فَقَالَ : يَا أَبَا ذَرٍّ : فَأَجَبْتُهُ ، قَالَ : أَتَرَى أُحُدًا ، قَالَ : فَنَظَرْتُ مَا عَلَيَّ مِنَ الشَّمْسِ وَأَنَا أَظُنُّهُ يَبْعَثُنِي لِحَاجَةٍ لَهُ ، فَقَالَ : مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي مِثْلَهُ ذَهَبًا أُنْفِقُهُ كُلَّهُ غَيْرَ ثَلاَثَةِ دَنَانِيرَ ، ثُمَّ هَؤُلاَءِ يَجْمَعُونَ الدُّنْيَا لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا ، قَالَ : قُلْتُ : مَا لَكَ وَلِإِخْوَانِكَ قُرَيْشٍ ؟ قَالَ : لاَ وَرَبِّكَ لاَ أَسْأَلُهُمْ دُنْيَا وَلاَ أَسْتَفْتِيهِمْ فِي دِينِي حَتَّى أَلْحَقَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم - ." (2)
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّهُ مَرَّ بِسُوقِ الْمَدِينَةِ ، فَوَقَفَ عَلَيْهَا ، فَقَالَ : " يَا أَهْلَ السُّوقِ ، مَا أَعْجَزَكُمْ " قَالُوا : وَمَا ذَاكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ؟ قَالَ : " ذَاكَ مِيرَاثُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يُقْسَمُ،وَأَنْتُمْ هَاهُنَا لَا تَذْهَبُونَ فَتَأَخُذُونَ نَصِيبَكُمْ مِنْهُ " قَالُوا : وَأَيْنَ هُوَ ؟ قَالَ : " فِي الْمَسْجِدِ " فَخَرَجُوا سِرَاعًا إِلَى الْمَسْجِدِ،وَوَقَفَ أَبُو هُرَيْرَةَ لَهُمْ حَتَّى رَجَعُوا،فَقَالَ لَهُمْ : " مَا لَكُمْ ؟ " قَالُوا : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ فَقَدْ أَتَيْنَا الْمَسْجِدَ ، فَدَخَلْنَا ، فَلَمْ نَرَ فِيهِ شَيْئًا يُقْسَمُ . فَقَالَ لَهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ : " أَمَا رَأَيْتُمْ فِي الْمَسْجِدِ أَحَدًا ؟ " قَالُوا : بَلَى،رَأَيْنَا قَوْمًا يُصَلُّونَ،وَقَوْمًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ ، وَقَوْمًا يَتَذَاكَرُونَ الْحَلَالَ وَالْحرَامَ ، فَقَالَ لَهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ :
(1) - شرح النووي على مسلم - (7 / 242)
(2) - صحيح ابن حبان - (8 / 51) (3259) صحيح