إذاً،كان العلاج النبوي بالمحاورة والإقناع العقلي هو أنجح وسيلة لمثل هذه الحالة،فتأمل هذه الوسيلة في التعليم يتبين لك عظمة المعلم الأول - صلى الله عليه وسلم - .
وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وُلِدَ لِى غُلاَمٌ أَسْوَدُ . فَقَالَ « هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ » . قَالَ نَعَمْ . قَالَ « مَا أَلْوَانُهَا » . قَالَ حُمْرٌ . قَالَ « هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ » . قَالَ نَعَمْ .قَالَ « فَأَنَّى ذَلِكَ » . قَالَ لَعَلَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ . قَالَ « فَلَعَلَّ ابْنَكَ هَذَا نَزَعَهُ » (1) .
فهذا الرجل أو الأعرابي جاء سائلاً مستفتياً مستنكراً أن يأتيه ولد أسود على خلاف لونه ولون أمه،فبين له الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأسلوب عقلي (2) سهل وميسور،وحاوره وضرب له مثالاً من بعض ما يملكه هذا الأعرابي ليكون أقرب إلى فهمه،حيث سأله عن إبله وهل يأتي منها ما هو مخالف لأبويه في الشكل والصفة،فقال نعم : عندئذ أخبره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ذلك حاصل في البشر أيضاً.فانظر رعاك الله كيف حاوره النبي - صلى الله عليه وسلم - وقرره بأسلوب عقلي بسيط وواضح.ولقد كان من الممكن أن يخبره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن هذا ابنه،وهذا بحد ذاته كاف،لأنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى،ولكن لما علم الرسول - صلى الله عليه وسلم - حال الأعرابي وجهله،أراد أن يبين له الأمر حتى تطمئن نفسه ويرتاح فؤاده،ولعل النبي - صلى الله عليه وسلم - أراد بهذا التقرير أن يكون ذلك حكماً عاماً لذلك الأعرابي ولمن خلفه (3) والله أعلم .
وعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ : بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ذَاتَ يَوْمٍ،فَنَظَرَ فِي السَّمَاءِ،ثُمَّ قَالَ : هَذَا أَوَانُ الْعِلْمِ أَنْ يُرْفَعَ،فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ : أَيُرْفَعُ الْعِلْمُ يَا رَسُولَ اللهِ وَفِينَا كِتَابُ اللهِ،وَقَدْ عَلَّمْنَاهُ أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : إِنْ كُنْتُ لأَظُنُّكَ مِنْ أَفْقَهِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ،ثُمَّ ذَكَرَ ضَلاَلَةَ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ،وَعِنْدَهُمَا مَا
(1) - صحيح البخارى- المكنز - (5305 ) -الأورق : الأسمر
(2) -يستدل الفقهاء بهذا الحديث وغيره على إثبات القياس والرد على من أنكره . انظر فتح الباري كتاب الاعتصام (حديث7314).
(3) - هذه القصة ترشد كل من جاء ولد تختلف أوصافه عن أوصاف والديه ، بأن لا يتعجل ويصدر حكماً على زوجه بالزنا،بل عليه أن يحسن الظن ،والأصل البراءة إلا بينة والله أعلم .