تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لكن العمومات تؤيد القول الثانِي، وهو أن الدين لا يمنع الزكاة، والأحوط للمكلف أن يُبادر إلى قضاء دَينِه، ثم يُزكِّي ما بقي، وهذا منهج سديد، فيه براءة للذمة من الدَّين، واحتياط في باب الزكاة (1).

وأما أثر عثمان - رضي الله عنه - فلا دلالة فيه، فقد ورد عند ابن أبي شيبة بلفظ: «فَليَقْضِه، وَزَكُّوا بقيّةَ أمْوَالِكم». وعند البيهقي: «فَمَنْ كَانَ عَليهِ دَينٌ فَليَقضِ دَينَهُ حَتى تَخْلُصَ أموالكم، فَتُؤدُّوا منها الزَّكَاة» (2). ففيه الحث على قضاء الدَّين، ثم أداء الزكاة فيما بقي من المال.

وأما كونها وجبت مواساة فهذه عِلَّة مستنبطة، وأوضح منها كون الزكاة عبادة تطهر المال وصاحبه، قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ (((((((((((((صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ (((((((((((((بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ (((((((﴾ (3). وكونها مواساة وإن كانت عِلَّة وجيهة، لكنها لا تكفي لتخصيص العمومات القوية في هذا الباب.

وَمَحَلُّهَا العَينُ، وعنه: الذِّمَّةُ ......................................................

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قوله: (وَمَحَلُّهَا العَينُ) أي: إن محل وجوب الزكاة هو عين المال الذي لو دفع زكاته منه أجزأت كالذهب، والفضة، والبقر، والغنم، ونحوها، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي (((((((((((((((((مَعْلُومٌ﴾ (4). وحديث: «فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» (5). و (في) للظرفية، وهذا هو المذهب.

قوله: (وعنه: الذِّمَّةُ) هذه رواية أخرى عن الإمام أحمد (6) أن محلها الذمة أي: ذمة المالك، فهي كالدين عليه، وعلى هذا فلا علاقة لها بالمال، بدليل أن المال لو تلف بعد وجوب الزكاة لوجب على المالك أن يؤدي الزكاة، وبدليل جواز إخراجها من غير النصاب، فلم تكن واجبة فيه، واختارها جمع كابن عقيل، وجزم بها الخرقي، وأبو الخطاب في "الانتصار"، حتى إنه قال: رواية واحدة (7).

والقول بأنها تجب في عين المال يَرِدُ عليه أن صاحبه يُمنع من التصرف فيه بالبيع والهبة كالمرهون، وأنه يمتنع الأداء من غيره، وأن الفقراء يملكون جزءاً منه مشاعاً بحيث يختصون بنمائه، قال الزركشي: "وهذه اللوازم باطلة، وإذا بطلت بطل الملزوم" (8).

وَلَو مَاتَ أُخِذَتْ من تَرِكَتِهِ ......................................................

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

والقول بأنها تجب في الذمة يَرِدُ عليه ما لو تلف المال بغير تعد ولا تفريط، مع أن الأظهر أنه ليس عليه زكاة، كما سيأتي إن شاء الله.

(1) انظر: "فتاوى ابن باز" (14/ 178)، "فتاوى ابن عثيمين" (18/ 36).

(2) تقدم تخريجه قريباً، وانظر: "إرواء الغليل" (3/ 260).

(3) سورة التوبة، الآية (103).

(4) سورة المعارج، الآية (24).

(5) تقدم تخريجه.

(6) "الإنصاف" (3/ 35).

(7) "المغني" (4/ 140)، "الإنصاف" (3/ 35).

(8) "شرح الزركشي" (2/ 461).

شرح كتاب التسهيل · الصفحة ٨٧٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح كتاب التسهيلص ٨٧٥