والقول الثالث: أن الدَّين يمنع وجوب الزكاة في الأموال الباطنة -النقود وعروض التجارة- دون الأموال الظاهرة -الحبوب والثمار والمواشي- وسبب هذا التفريق أن تعلق الزكاة بالظاهرة أوكد، لظهورها وتعلق قلوب الفقراء بها، ولأن السعاة في الأموال الظاهرة يأخذون زكاة ما يجدون ولا يسألون صاحبها عن الدَّين، مما يدل على أنه لا يمنع زكاتها.
وهذا القول فيه ضعف، لأن النصوص العامة في الزكاة تشمل الأموال الظاهرة والباطنة، ولأن كون النبي - صلى الله عليه وسلم - يبعث السعاة ولا يستفصلون دليل على أن الزكاة تتعلق بالمال، ولا فرق فيه بين الأموال الظاهرة والباطنة، ثم إن الخفاء والظهور أمر نسبي، ولاسيما في زماننا هذا، فقد أصبحت عروض التجارة من معارضِ سياراتٍ، ومخازنِ سلعٍ، ودكاكينِ مجوهراتٍ وأغذيةٍ وملابسَ وغيرها أشهر ظهوراً للفقراء من الأنعام والزروع.
والقول بأن الدَّين يمنع وجوب الزكاة قول وجيه في بادئ الأمر، لأنه كما
يقول ابن رشد: "إنه الأشبه بِغَرَضِ الشرع "، فإن الصدقة لا تشرع إلا عن ظهر غِنَى، ولا غنى عند مَدِين مُحتاج لقضاء دينه الذي قد يعرضه لعقوبة الحبس، مع ما فيه من هَمِّ الليل وذُلِّ النّهار (1).
(1) "بداية المجتهد" (2/ 57)، "فقه الزكاة" (1/ 157).