تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الشهادة من الأعمى في الأشياء المستفيضة، لأنها تعتمد على القول، وشهادته عليه جائزة.

وكذا تقبل شهادته في المرئيات التي تحملها قبل العمى إن عرف الفاعل بما يميزه من اسمه ونسبه ووصفه، لما تقدم.

قوله: (ومِن المُستَخفِِي) أي: وتقبل الشهادة من المستخفي، وهو الذي يخفى نفسه عن المشهود عليه، ليسمع إقراره، كأن يسمع رجلاً يطلق أو يقر بدين أو نحو ذلك، لأنه شهد بما سمع، وهذا هو المعتبر في صحة التحمل، ولأن حاجة صاحب الحق قد تدعو إلى ذلك، كأن يكون خصمه يقر سراً، ويجحد جهراً، فلو لم تقبل شهادة المستخفي لأدى الحال إلى بطلان حق صاحبه، وهذا هو المذهب (1).

قوله: (الزِّنا: بأَرْبَعَةٍ) شرع المصنف في بيان عدد الشهود، وأن ذلك يختلف باختلاف المشهود به، فيثبت الزنا بأربعة رجال، لقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَاتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ (((((((((((((فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ (2)، ولقوله تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَاتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ (3) وهذا

والمَالُ وما يُقصَدُ بِهِ برجلينِ، ورَجُلٍ وامرأتين، ورجلٍ وَيَمينٍ ..................

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

العدد -وهو الأربعة- مجمع عليه، وهو خاص بالزنا، فلو نقصوا عن أربعة وجب عليهم الحد، لأنهم قَذَفَةٌ، والحكمة في هذا العدد -والله أعلم- أن الستر مطلوب، لما جاء في السُّنة من الحث على الستر وعدم إشاعة الفاحشة في المجتمع الإسلامي ولهذا غُلِّظ النصاب، لأن المسألة حدٌّ وعقوبة، والعقوبة تدرأ بالشبهات، وهذا في حق مَن لم يُعرف بالفساد، أما من كان كذلك فالشهادة عليه أولى من تركها، لتطهير الأرض من المعاصي والفواحش والقضاء على المفسدين (4)، وأَلحقَ الجمهور اللواط في اشتراط أربعة رجال، لكونه في معنى الزنا، وأما كونهم رجالاً، فهو قول الجمهور، لقوله: ﴿أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾، ولفظ الأربعة يُعَدُّ به الرجال، لأنه يقال للنساء أربع، ولأن المرأة ضعيفة العقل قليلة الأمانة، فيكون ذلك شبهة، والحد يدرأ بالشبهة.

قوله: (والمَالُ وما يُقصَدُ بِهِ برجلينِ، ورَجُلٍ وامرأتين، ورجلٍ وَيَمينٍ) أي: إن الشهادة على المال وما يقصد به المال كالبيع والقرض والرهن ونحوها لا تثبت إلا بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ (((((((((((إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ (5)، إلى أن قال: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا (((((((((((مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ • (((((((وَامْرَأَتَانِ﴾ (2)، وقد أجمع أهل العلم على قبول شهادة النساء في الأموال، وما يقصد فيه المال كذلك.

وما يُطَّلعُ عليهِ برجلين ...........................................................

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وأما كون المال يقبل فيه شاهد ويمين المدعي فَلِمَا ورد عن عمرو ابن دينار، عن ابن عباس {{أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «قَضَى بِالشَّاهِدِ وَاليَمِينِ» (6)، قال عمرو بن دينار: في الأموال.

ولأن اليمين تشرع في جانب أقوى المتداعيين -كما تقدم- فلما قَوِيَ جانب المدعي بشاهد واحد شرعت اليمين في حقه.

وفي القضاء بالشاهد واليمين أحاديث كثيرة، وقد ذكر ابن الجوزي عدد من رواها، فزادوا على عشرين صحابياً (7)، وبها أخذ الجمهور من العلماء، عدا أبا حنيفة وأصحابه (8).

قوله: (وما يُطَّلعُ عليهِ برجلين) أي: وما يطلع عليه الرجال لا يثبت إلا بشهادة رجلين، كالطلاق والخلع والنسب والوكالة في غير المال، ونحو ذلك، فلا تقبل فيه شهادة النساء، لأنه ليس بمال، ولا يقصد به المال، ويطلع عليه الرجال، فلم يكن للنساء في شهادته مدخل، كالقصاص، والحدود -غير الزنا- كالسرقة

(1) "المغني" (14/ 211).

(2) سورة النساء، الآية (15).

(3) سورة النور، الآية (13).

(4) انظر: "إعلام الموقعين" (1/ 96)، (2/ 65)، "مدى صلاحية الشهادة في إثبات الأحكام"ص (367).

(5) سورة البقرة، الآية (282).

(6) تقدم تخريجه في باب "الحجر" من كتاب "البيوع"، وكلمة عمرو بن دينار وردت في سنن أبي داود (3608).

(7) "التحقيق" (11/ 54).

(8) "أحكام القرآن" للجصاص (2/ 247)، "المغني" (14/ 130).

شرح كتاب التسهيل · الصفحة ٢٤٤٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح كتاب التسهيلص ٢٤٤٣