والقول الثانِي: أن شهادة الصبيان تقبل فيما لا يطلع عليه إلا الصبيان، كالجراح إذا شهدوا قبل الافتراق عن الحال التي تجارحوا عليها، وهو قول في
عَدْلٍ لَمْ يُبَاشِرْ كَبِيرَةً، ولاَ لاَزَمَ صَغِيرَةً .........................................
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مذهب مالك، وقول عند الحنابلة (1)، لأن الظاهر صدقهم وضبطهم، فإن تفرقوا لم تقبل شهادتهم، لأنه يحتمل أن يُلَقَّنُوا، وهذا هو الراجح -إن شاء الله- حفظاً للدماء التي تقع بينهم، فإنهم في غالب أحوالهم يَخْلُونَ بأنفسهم، وقد يسطوا بعضهم على بعض، فلو لم يقبل قول بعضهم على بعض لأهدرت دماؤهم، وقد نُقل قبول شهادة الصبيان عن عدد من الصحابة، وسلف الأمة، كعلي، ومعاوية، وعبد الله بن الزبير - رضي الله عنهم -، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعمر بن عبدالعزيز -رحمهم الله- (2).
الرابع: أن يكون مختاراً، فلا تقبل شهادة المكره، لأنه لا تعتبر أقواله في نفسه، فلأن لا تعتبر أقواله على غيره أولى.
قوله: (عَدْلٍ لَمْ يُبَاشِرْ كَبِيرَةً، ولاَ لاَزَمَ صَغِيرَةً) هذا الشرط الخامس من شروط الشاهد، وهو أن يكون عدلاً، والعدالة استقامة الدين، لأن من لا صلاح له في الدين لا يؤمن أن يشهد على غيره بالزور.
واستقامة الدين: هي أداء الفرائض، واجتناب المحارم، وذلك بأن لا يرتكب كبيرة ولا يلازم صغيرة.
ذِي مُرُوءَةٍ، غَيرَ جَارٍّ لِنَفْسِهِ نَفعَاً، أو دَافِعٍ عَنهَا ضَرَراً .........................
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والقول الثانِي: أن العدالة مأخوذة من قوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (3)، فكلٌ مرضيٍّ عند الناس يطمئنون لقوله وشهادته فهو مقبول، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (4)، وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: "وهذا أحسن الحدود، ولا يسع الناس العمل بغيره" (5).
قوله: (ذِي مُرُوءَةٍ) ظاهره أنه شرط مستقل، فيكون هو الشرط السادس كما فعل ابن قدامة (6)، والأكثرون على أنه تابع للعدالة، ومعنى (ذِي مُرُوءَةٍ) أي: صاحب مروءة، يفعل ما يحمده الناس عليه من الآداب والأخلاق من
(1) "المدونة الكبرى" (4/ 26، 653)، "مدى صلاحية الشهادة في إثبات الأحكام" ص (108).
(2) انظر: "الطرق الحكمية" ص (181).
(3) سورة البقرة، الآية (282).
(4) "الاختيارات" ص (356).
(5) "بهجة قلوب الأبرار" ص (152).
(6) "المغني" (14/ 149).