قال الوزير: "اتفقوا على أن كتاب القاضي إلى القاضي من مصر إلى مصر في الحقوق التي هي المال، أو ما كان المقصود منه المال جائز مقبول" (1). أما في حدود الله تعالى كحد الزنا والشرب ونحوهما فلا يقبل كتاب القاضي إلى القاضي، لأن حقوق الله تعالى مبنية على الستر والدرء بالشبهات، وهذا هو المذهب (2).
والقول الثانِي: أن كتاب القاضي إلى القاضي يقبل حتى في حدود الله تعالى، وهو قول مالك، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (3)، وهو قول الشافعية، ورواية عن أحمد في القصاص (4).
وَيَختَصُّ مَا ثَبَتَ لِيُحكمَ بِهِ، بِمَسافَة قَصْرٍ فَأَكْثَرَ، وَيَقدَحُ فِيهِ فِسْقُ كَاتِبِهِ ....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وَيَختَصُّ مَا ثَبَتَ لِيُحكمَ بِهِ، بِمَسافَة قَصْرٍ فَأَكْثَرَ) أي: إنه يختص كتاب القاضي إلى القاضي فيما ثبت عنده ليحكم به القاضي المكتوب إليه بمسافة قصر فأكثر، وصورة الثبوت أن يقول: شهد عندي فلان، أو أقر عندي بكذا، فإن كان القاضي المكتوب إليه أقل من مسافة القصر لم يقبل، لأن ذلك نقل شهادة إلى المكتوب إليه، فلم يجز مع القرب، كالشهادة على الشهادة، لإمكان الخصمين أن يذهبا إلى القاضي المكتوب إليه، وخَرَّجَ شيخ الإسلام ابن تيمية أنه
(1) "الإفصاح" (2/ 348).
(2) "الإنصاف" (11/ 321).
(3) انظر: "الفروع" (6/ 498).
(4) "الشرح الكبير مع الإنصاف" (29/ 8)، "الاختيارات" ص (348).