والرعاة لا يلزمهم المبيت بمنى ليالي التشريق، لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - رخَّص لهم، فقد ثبت في حديث ابن عمر {: «أنَّ النبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَخَّصَ لِعَمِّهِ العَبَّاسِ أَنْ يَبِيتَ بِمِنَى لَيَالِيَ التَّشْرِيقِ مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِه» (1).
وقد روى الإمام مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عن أبيه أن أبا البَدَّاحِ بنِ عَاصِمٍ بن عدي، أخبره عَنْ أَبِيهِ - رضي الله عنه -: «أَنَّ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَرْخَصَ لِرُعَاءِ الإِبِلِ فِي البَيتُوتَةِ أَنْ يَرْمُوا يَومَ النَّحْرِ، ثُمَّ يَجْمَعُوا رَمْيَ يَومَينِ بَعْدَ النَّحْرِ، فَيَرْمُونَهُ فِي أَحَدِهِمَا. قَالَ مَالِكٌ: ظَنَنْتُ أَنَّهُ قَالَ: فِي الأَوَّلِ مِنْهُمَا، ثُمَّ يَرْمُونَ يَومَ النَّفْرِ» (2).
وهذه الأدلة تدل على لزوم المبيت لغير هؤلاء، لأن التعبير بالرخصة يقتضي أن مقابلها عزيمة، وهذا مذهب الجمهور (3).
فإن تركه لعذر، كمريض رقد بالمستشفى، أو مَنْ له مريض يخاف عليه إذا تخلف عنه لكونه مرافقاً له، أو مشتغلاً بنقله، أو مَنْ عمله يتعلق بمصلحة الحج أو الحُجَّاج كالموظف، والطبيب ونحوهما ممن يقتضي عملهم وجودهم خارج مِنَى فلا شيء عليه، قياساً على ما ورد من الأدلة في ترك المبيت للسقاة والرعاة (4).
(1) أخرجه البخاري (3/ 578 "فتح")، ومسلم (1315).
(2) رواه مالك (1/ 408)، وأبو داود (1975)، والترمذي (955)، والنسائي (5/ 273)، وابن ماجه (3036) (3037)، وأحمد (5/ 450)، وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح".
(3) "فتح الباري" (3/ 579).
(4) انظر: "فتح الباري" (3/ 578)، "الإنصاف" (4/ 48).