بِالمَوقِفِ -يَعْنِي بِجَمْعٍ- قُلتُ: جِئْتُ يَا رَسُولَ اللهِ مِنْ جَبَلَيْ طَيِّئٍ، أَكْلَلتُ مَطِيَّتِي، وَأَتْعَبْتُ نَفْسِي، وَاللهِ مَا تَرَكْتُ مِنْ جَبْلٍ إِلا وَقَفْتُ عَلَيهِ، فَهَل لِي مِنْ حَجٍّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -: «مَنْ أَدْرَكَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلاةَ، وَأَتَى عَرَفَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيلاً أَو نَهَاراً فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ» (1)، فقوله: «أو نَهَارَاً» يشمل ما قبل الزوال وما بعده.
والقول الثانِي: أن الوقوف من الزوال يوم عرفة، وما قبل الزوال ليس وقتاً للوقوف، وهذا مذهب الجمهور، ورواية عن أحمد (2)، بل نُقل فيه الإجماع (3)، لأنه - ومعه أصحابه لم يقفوا إلا بعد الزوال، كما تقدم في حديث جابر - رضي الله عنه -.
وأجابوا عن حديث عروة بأن المراد بـ «النهار» فيه خصوص ما بعد الزَّوال، بدليل فعل النبي - وفعل خلفائه من بعده (4).
قال الشوكاني: "نقل كثير من الأئمة الإجماع على هذا الوقت -أي من الزوال إلى طلوع الفجر- وما روي عن أحمد من أن النهار من يوم عرفة كله
(1) أخرجه أبو داود (1950)، والترمذي (891)، والنسائي (5/ 263)، وابن ماجه (3016)، وأحمد (26/ 142)، وقال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
وقوله: «تفَثَهُ» التَّفَث، بالفتح: هو الوسخ الحاصل بطول الأظفار ووفرة الشعر وغيرهما من شعث المحرم، ومعنى «قَضَى تَفَثَهُ» أي: انتهى وتخلص منه بإزالته.
(2) "الإنصاف" (4/ 29).
(3) انظر: "الاستذكار" (13/ 29)، "مراتب الإجماع" ص (49)، "بداية المجتهد" (2/ 274).
(4) "أضواء البيان" (5/ 258).