قوله: (يَرْمُلُ في الثَّلاثةِ الأُوَلِ، وهو إسراعُ المَشْي) هذا الأمر الثانِي الذي يسن في أول طواف يأتي به المحرم، وهو الرَّمَلُ: بفتح الراء والميم، وقد فسره المصنف بأنه إسراع المشي أي: مع تقارب الخطا من غير وَثْبٍ، وهو في الثلاثة الأشواط الأول، أي: فيمشي في الباقي، فإن ترك الرمل في الأشواط الثلاثة الأول لم يقضه في الأربعة الباقية، لئلا يغير هيئتها، وإن استطاع أن يرمل في شوط أو شوطين من الثلاثة الأول فعل. والرَّمل مع بُعْدٍ من البيت أولى من
تركه مع قربٍ، للزحام، لأن المحافظة على فضيلة تتعلق بنفس العبادة أولى من المحافظة على فضيلة تتعلق بمكانها أو زمانها.
ودليل مشروعية الرمل: حديث ابن عباس {قال: «قَدِمَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَأَصْحَابُهُ مَكَّةَ، فَقَالَ المُشْرِكُونَ: إِنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيكُمْ قَومُ وَهَنَهُمْ حُمَّى يَثْرِبَ، فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ الثَّلاثَةَ، وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَينَ الرُّكْنَينِ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِلا الإِبْقَاءُ عَلَيهِمْ» (1).
وفي حديث جابر - رضي الله عنه -: «فَرَمَلَ ثَلاثَاً، ومَشْى أربَعَاً»، وفي رواية عنه قال: «رَمَلَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ الحَجَرِ إِلَى الحَجَرِ ثَلاثاً، وَمَشَى أَرْبَعاً» (2). وهذا يدل على أنه - صلى الله عليه وسلم - رمل الأشواط الثلاثة حتى ما بين الركنين، فيكون ناسخاً لحديث
(1) أخرجه البخاري (1602)، ومسلم (1266)، ومعنى "الإبقاء عليهم": الشفقة عليهم.
(2) أخرجه مسلم (1263) ومن حديث ابن عمر {برقم (1262).