ولا يتعين التنعيم ميقاتاً للعمرة، فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يحدده لعائشة {وإنما قال لعبد الرحمن - رضي الله عنه -: «اخْرُجْ بِأُخْتِكَ مِنْ الحَرَمِ» -كما تقدم -.
فإن لم يخرج إلى الحِل وأحرم من الحرم فعليه دم عند الجمهور، لأنه ترك واجباً، ومنهم من قال: إنه شرط، فلا تصح عمرته إلا بالخروج إلى الحل، والله تعالى أعلم.
قوله: (فَإن تَجَاوَزَهُ رَجَعَ إليهِ) أي: فإن تجاوز الأُفقي الميقات رجع إليه وأحرم منه، لأنه يَحْرُم مجاوزة الميقات بدون إحرام باتفاق العلماء، لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - حدد المواقيت، وهذا لا فائدة له إلا المنع من تقديم الإحرام قبلها أو تأخيره عنها،
فَإن أَحْرَمَ من مَوضعِه فَعَليهِ دَمٌ، وَلَو رَجَعَ مُحْرِماً إلَيهِ، والاخْتِيَارُ ألاَّ يُحْرِمَ قَبَلَ مِيقَاتِهِ .........................................................................
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والأول ليس مراداً، لأن الإجماع قام على جواز تقديم الإحرام قبل الميقات، كما نقله ابن المنذر، والنووي (1) فيتعيَّن الثانِي، وهو المنع من تأخير الإحرام بعد الميقات.
ولا فرق في وجوب الرجوع بين العالِم أو الجاهل فإن رجع وأحرم منه فلا شيء عليه، قال الموفَّق: "لا نعلم في ذلك خلافاً" (2).
قوله: (فَإن أَحْرَمَ من مَوضعِه فَعَليهِ دَمٌ) لأنه ترك الواجب، إلا إذا كان له عذر كخشية فوات الحج، أو خوف الطريق أو الانقطاع عن الرفقة ونحو ذلك.
قوله: (وَلَو رَجَعَ مُحْرِماً إلَيهِ) أي: إنَّ الدم يجب عليه ولا يسقط عنه إذا أحرم من موضعه، ولو رجع إلى الميقات بعد إحرامه، وهذا قول مالك، وأكثر الحنابلة، لأن الدم استقر بجنايته على الميقات حيث تجاوزه بلا إحرام. وتعبير المصنف بـ (لَو) إشارة إلى الخلاف، وعن الإمام أحمد رواية أنه يسقط عنه الدم إذا رجع إلى الميقات (3).
قوله: (والاخْتِيَارُ ألاَّ يُحْرِمَ قَبَلَ مِيقَاتِهِ) تعبير المصنف يفيد جواز الإحرام قبل الميقات، وقد تقدم نقل الإجماع على ذلك، ولكن الاختيار ألاَّ
ولا قَبْلَ أَشْهُرِه ....................................................................
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يحرم إلا منه، تأسياً بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، إذ لو كان الإحرام قبل الميقات أفضل لفعله - صلى الله عليه وسلم -، ولكنه لم يحرم إلا من الميقات، وهكذا فعل خلفاؤه الراشدون وغيرهم من الصحابة والتابعين.
وقد روى البيهقي كراهة الإحرام قبل الميقات عن عمر، وعثمان {(4)، وهو الموافق لحكمة تشريع المواقيت، وما أحسن ما ذكره الشاطبي عن
(1) "الإجماع" لابن المنذر ص (54)، "المجموع" (7/ 200).
(2) "المغني" (5/ 71).
(3) "الكافي" لابن عبد البر (1/ 380)، "المغني" (5/ 69)، "الإنصاف" (3/ 429).
(4) "السنن الكبرى" (5/ 31)، "مجموع الفتاوى" (20/ 374)، وانظر: "فتح الباري" (3/ 419).